
تساؤل بين إلحاح اللحظة و عقود الانتظار !
شكلت الزيارة الميدانية التي أداها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لولاية آدرار ، و التي استهلها من مدينة اطار كمحطة أولي ضمن جولة داخل البلاد ستشمل باقي مقاطعات الولاية بالإضافة الي ولاية إنشيري ،
أكثر من مجرد تفقد روتيني للمشاريع التنموية ، إذ تحولت في عمقها السياسي و الاجتماعي إلى منصة للمكاشفة وطرح الأسئلة الكبرى حول الهوية التنموية للبلاد. ومن أبرز تلك الأسئلة التي فرضت نفسها بقوة ،
أي وطن نريد لموريتانيا ؟!
إن طرح هذا التساؤل الاستراتيجي من قلب الولايات الداخلية يحمل دلالة رمزية بالغة. فالداخل الموريتاني بعمقه الرعوي والزراعي والاجتماعي يمثل دائمًا المختبر الحقيقي لأي سياسة تنموية عادلة .
ومع بروز هذا التساؤل التوجيهي، يتبادر إلى أذهان المراقبين والمواطنين سؤال آخر لا يقل أهمية، هل جاء هذا الطرح في وقته المناسب أم أنه تأخر كثيرًا ؟من الناحية الموضوعية، يرى التحليل التقييمي أن هذا التساؤل جاء في الوقت المستقطع و المفصلي من تاريخ البلاد الحديث. فمن جهة قد يراه البعض متأخرًا إذا ما قيس بعقود من الهشاشة التربوية و الاجتماعية التي تسببت في تعميق الشروخ و تأخير مأسسة التنمية العادلة ،
و بحِقٓب و مراحِلٓ مضت من عمر الدولة الوطنية، تعثرت خلالها مسارات التنمية وعانت فيها البنى التحتية داخل الوطن من هشاشة مزمنة و شبه انعدام في بعض المناطق ، وتأخرت فيه مأسسة العدالة الاجتماعية الشاملة.
لكن من جهة أخرى، يبدو الطرح وافدا في توقيت استراتيجي حاسم،
إذ تأتي هذه الزيارة في ظل تحولات إقليمية ودولية بالغة التعقيد، تفرض على موريتانيا إعادة ترتيب بيتها الداخلي، والاستفادة القصوى من مواردها الغازية والمعدنية المرتقبة و ثرواتها البحرية الآخذة في التراجع و الإنقراض و تحصين جبهتها الداخلية عبر اللامركزية وتنمية الريف. إن طرح السؤال اليوم، و من أعلى هرم السلطة في الدولة، يعكس إدراكا عميقا بأن بناء دولة المؤسسات القوية لا يمكن ان يكتمل دون إعادة هيكلة الوجدان الوطني عبر تعليم شامل و ذي جودة ،
و بضرورة الانتقال من التسيير اليومي للأزمات إلى التخطيط الهيكلي للمستقبل.
بحيث لا تكمن العبرة فقط في توقيت السؤال، بل في مدى الجدية في صياغة الإجابة. إن تحويل هذا التساؤل الرئاسي إلى واقع ملموس يتطلب تضافر جهود الإدارة، والفاعلين الاقتصاديين، و النخب الثقافية، لترجمة الوطن الذي نريد إلى ورشات عمل مستمرة، تضمن للمواطن في أقصى نقطة من الداخل الموريتاني حقه في التنمية العادلة والعيش الكريم.
نعم أي وطن نريد لموريتانيا؟!
بهذا التساؤل الجوهري وضع فخامة رئيس الجمهورية الأصبع على الجرح الموريتاني النازف منذ عقود. إن الإجابة الحقيقية و الموضوعية على هذا التساؤل لم تعد تحتمل مساحيق التجميل السياسي؛ فالوطن الذي نريده ويستحقه الموريتانيون هو وطن يقطع بلا رجعة و يُحدِثُ قطيعة تامة مع ممارسات الماضي الهدامة، ويؤسس لعهد جديد تكون فيه المصلحة العامة فوق كل اعتبار.إن أولى عتبات التغيير تبدأ من إحداث قطيعة راديكالية مع ثقافة التملق و النفاق السياسي و تدوير المفسدين و حمايتهم .
لم يعد مقبولاً في موريتانيا اليوم أن يُعاد إنتاج الوجوه التي استنزفت مقدرات البلاد، أو أن يُقدّم الولاء الشخصي و القبلي على الكفاءة و النزاهة .
الوطن الذي نريده هو دولة المؤسسات التي تحارب الفساد كعقيدة إدارية، وتغلق الأبواب أمام الانتهازية ليتولى تسيير الشأن العام رجال و نساء يملكون الأيدي النظيفة و الرؤية البناءة .
وفي قلب هذا التحول الإستراتيجي، يبرز التعليم كقاطرة وحيدة و أساسية للنهوض بالبلاد و العباد نحو غد افضل من خلال صهر الفوارق و ترسيخ قيم المواطنة و بناء جيل متسلح بالوعي القانوني و المؤسسي عبر المدرسة الجمهورية ،
المكان الذي يلتقي فيه أبناء موريتانيا علي مقعد واحد ،
ليتعلموا معا كيف تُبني الدولة القوية بوعي مواطنيها ،
إن بناء المدرسة الجمهورية ليس مجرد شعار،
بل هو ورشة مصيرية لإصلاح المنظومة التعليمية لتكون حاضنة لقيم المواطنة، ومصنعاً للكفاءات العصرية التي تلبي احتياجات سوق العمل، بعيداً عن الفوارق الطبقية أو العرقية. من يملك التعليم الجيد يملك المستقبل الواعد، والتعليم هو السبيل الأوحد لتوفير فرص تشغيل حقيقية للشباب و انتشالهم من البطالة و الإحباط و ضمان مشاركتهم الفعالة في بناء وطنهم بدلاً من الهجرة خلف البحار .
إن موريتانيا النموذجية التي يتطلع إليها الجميع هي دولة المواطنة التي تستمد قوتها و استقرارها من تنوعها العرقي و الثقافي الفريد ،
و تتعامل مع هذا التنوع باعتباره ثراءا حضاريا و مصدر قوة لا عامل تفرقة ،
لذا نريد موريتانيا متصالحة مع ذاتها، قوية بتنوعها العرقي و الثقافي (العربي، الإفريقي، البولاري، السونينكي، والولوفي). هذا التنوع يجب أن يتحول من ورقة للمزايدات السياسية إلى مصدر ثراء وقوة، في إطار لُحمة وطنية ترتكز على عدالة اجتماعية شاملة، يجد فيها كل مواطن نفسه و يشعر بالإنصاف في الحقوق و الواجبات و في توزيع ثروات البلاد المتعددة من غاز، ومعادن، وثروة سمكية وزراعية.
إن إصلاح القطاعات الحيوية، وتأمين الخدمات الأساسية من ماء، وصحة، وكهرباء لساكنة الداخل قبل العاصمة، هو المحك الفعلي للمواطنة.
نحن بحاجة إلى تٓبٓنِي تجارب الدول التي تقدمت حين جعلت الوطن فوق الجميع ، وتركت مصالح الأفراد الضيقة خلف ظهرها.
إن التساؤل المطروح اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو نداء لورشة عمل وطنية كبرى لبناء وطن للأجيال القادمة، تعيش فيه جنباً إلى جنب في أمن و نماء.
لقد حان الوقت لتتحول الإرادة السياسية إلى أفعال ملموسة تطهر الإدارة، وتصلح القطاعات، وتصنع دولة العدل والمساواة .
إن بناء موريتانيا الحديثة و المستقرة يتطلب التزاماً راسخاً بالقيم الديمقراطية وجعلها واقعاً معاشاً لا مجرد شعارات. فالوطن الذي نطمح إليه هو ذلك الذي يتشبث بالخيار الديمقراطي كسبيل وحيد لإدارة الشأن العام و يؤمن بالتناوب السلمي على السلطة كركيزة أساسية لضمان الاستقرار السياسي و التنمية المستدامة.
إن أساس هذا الطموح يبدأ من الاحترام المطلق للدستور بأصوله و فروعه و مواده المحصنة، باعتباره العقد الاجتماعي الذي يربط بين جميع مكونات الشعب، والضامن الحقيقي لفصل السلطات واستقلالية القضاء. بتوطيد هذه المبادئ، يمكننا بناء دولة مؤسسات قوية تحمي الحقوق والحريات، وتتيح لكل مواطن فرصة المساهمة في صنع القرار ومستقبل البلاد.إن موريتانيا الغد هي وطن يتسع لجميع أبنائه، وتتجدد فيه النخب السياسية عبر صناديق الاقتراع الشفافة، ليظل التداول على السلطة صمام الأمان الذي يحمي اللحمة الوطنية ويدفع بالبلاد نحو التقدم و الازدهار.
بالإختصار المفيد موريتانيا التي نريدها اليوم تتطلب بالإضافة لما سبق ذكره عملا بناءا و إصلاحا جادا يمس القضايا الهيكلية التي تضمن تحقيق التنمية المستدامة و العدالة الاجتماعية لجميع المواطنين ،
و يؤكد أن بناء موريتانيا المستقبل هو مسؤولية مشتركة بين الإرادة السياسية الصادقة و الوعي المجتمعي الحي ،
حفظ الله موريتانيا







.gif)

.jpg)


.jpg)