
إنتهج الغزواني، منذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا، طريق استغلال القضاء والبرلمان وجعلهما تحت أقدام سلطته وذلك للإنتقام من الخصوم السياسيين وبث التفرقة بين مكونات الشعب الواحد.
إن تثبيت الحكم استئنافيا ضد ميمونة بنت أحمد سليمان، المعروفة بـ«وردة»، والقاضي بسجنها خمس سنوات، منها ثلاث سنوات نافذة، يشكل مؤشرا سياسيا بالغ الدلالة، ويطرح سؤالا لا يمكن لأحد أن يتجاهله: ماذا بقي من مبدأ المساواة أمام القانون في موريتانيا؟
لا تعرف دولة القانون عدالة بمكيالين. فالعقوبة يجب أن تكون متناسبة مع الفعل، والقانون يجب أن يُطبَّق بالصرامة نفسها على الجميع، أياً كانت مكانتهم أو انتماءاتهم أو نفوذهم أو قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم. فالمساواة أمام القانون ليست مطلبا سياسيا ولا امتيازا يُمنح، بل هي الشرط الأول لوجود عدالة تستحق اسمها.
فكيف يمكن قبول أن تؤدي تصريحات ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي إلى ثلاث سنوات من السجن النافذ، بينما تُعالَج قضايا الفساد واختلاس المال العام وجريمة العبودية وتشغيل القصر واستغلالهم والإتجار بالبشر والاتجار بالمخدرات والتهريب والإغتصاب بأحكام قضائية تبدو أقل صرامة بكثير؟ حين تكلّف الكلمة السياسية صاحبها ثمنا أكبر مما تكلّفه أفعال تمس المال العام أو أمن المجتمع وإنسانيته وصميم شرفه، فإن مفهوم العدالة ذاته يصبح موضع شك. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يُطبَّق القانون فعلا بالصرامة نفسها على الجميع، أم أن الصرامة تتغيّر بحسب من يقف أمام القاضي؟
إن هذا الحكم لا يأتي معزولا، فهو يندرج في سياق اتسم بتوقيفات ومتابعات قضائية طالت ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان وأصواتا ناقدة، ولا سيما في صفوف حركة «إيرا». وقد حذّرت عدة منظمات حقوقية، خلال سنة 2026، من تراجع الحريات المتعلقة بالتعبير والاجتماع والتظاهر السلمي. فالمسألة إذن لا تتعلق بمصير امرأة واحدة، بل بحرية التعبير، وبحق الاحتجاج السلمي، وبمساحة العمل السياسي في موريتانيا بأكملها.
فما هي الرسالة التي تحملها هذه الأحكام إلى الذين لا يملكون ثروة ولا شبكات نفوذ ولا حماية؟.. إنها بالضبط: عارضوا، وستدفعون الثمن. وأي رسالة تحملها إلى من ما زالوا، رغم الاعتقالات والترهيب، يختارون التعبئة والتعبير السلميين؟.. إنها كالتالي: هذا ما ينتظركم.
وحين تُعاقَب المعارضة السلمية بهذا لظلم وبهذه القسوة، فإن المجال الديمقراطي يضيق، ويصبح الخوف جزءا من كلفة المشاركة السياسية.
خلال زيارته الأخيرة لولاية آدرار، طرح رئيس الدولة محمد الغزواني سؤالين كبيرين: أي موريتانيا نريد؟ وإلى أين نسير؟ لكن الإجابة عن هذين السؤالين لا تُصاغ في الخطابات ولا تُقاس بالزيارات الرسمية، وإنما تُقرأ في الطريقة التي تعامل بها الدولة من ينتقدها، وفي الكيفية التي يُطبَّق بها القانون، وفي المساحة التي تُترك للاحتجاج السلمي والتعبير السياسي، وفي صنف علاقة حكام البلد مع ثروات الشعب وبيت مال المسلمين.
إن الحكم الصادر في قضية «وردة» يقدّم، للأسف، سبباً إضافيا ومقلقا للتساؤل عن الاتجاه الذي نسير فيه.
فموريتانيا التي نريد ليست موريتانيا التي تُضيَّق فيها الحريات، وتُضعف فيها حماية الحقوق، ويُلاحَق فيها المعارضون بسبب مواقفهم وآرائهم، ويُسعى إلى تحييدهم بأحكام القضاء بدل مواجهتهم بحجج السياسة. هذه ليست موريتانيا التي يريدها الموريتانيون.
لا يمكن لنظام أن ينادي بالحوار بيد، ويضيّق الخناق باليد الأخرى. فالحوار السياسي لا معنى له إذا لم تكن الكلمة التي تسبقه وترافقه حرة. ولا يمكن ترسيخ دولة القانون بقمع من يعارضها، ولا بناء الوحدة الوطنية بجعل جزء من المواطنين يشعرون بأن القانون أشد قسوة عليهم من غيرهم.
ما نشهده اليوم هو تراجع في الحريات العامة وفي مجال العمل السياسي، ولا يجوز التطبيع معه أو تحويله إلى أمر واقع جديد. ولا ينبغي أن يكون القضاء أداة للانتقام، ولا وسيلة لتحييد المعارضين أو إسكات من يرفضون الصمت.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد معارضيها في السجون، بل بقدرتها على ضمان الحقوق والحريات نفسها لجميع المواطنين، بما في ذلك من يعارضونها، وتوفير الحماية القانونية نفسها للجميع، دون تمييز أو استثناء.
وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي تسير فيه البلاد، فإن سؤال الرئيس، عن أين نسير، يجد أمامنا جوابا مقلقا: إننا نسير نحو الهاوية، ونحن المنحدر الشديد، ونحو الطامة الكبرى.
نحن لا نطالب بعدالة أكثر تساهلا مع أحد. وإنما نطالب بعدالة واحدة، وبالصرامة نفسها تجاه الجميع، لأن العدالة يجب أن تكون واحدة للجميع.
بيرام ولد الداه ولد أعبيد
24 سبتمبر 2026


.gif)

.jpg)


.jpg)