
لم تحتج نواكشوط سوى إلى معدل ثلاثين ميليمترا من الأمطار لتتوقف عن العمل. طرق غارقة، ومياه راكدة، ووحل في كل مكان، وحركة مشلولة، وحياة يومية معطلة. ومن يتجول اليوم في أحياء العاصمة يظن نفسه أمام مدينة ضربتها كارثة طبيعية استثنائية. لكن الكارثة ليست في المطر، وإنما في أن عاصمة البلاد، بعد سبع سنوات من حكم ولد الغزواني، وبعد مليارات الأوقية التي أُعلنت لمشاريع المياه والصرف الصحي، ما تزال عاجزة عن مواجهة أمطار موسمية لا يفترض أن تشل عاصمة بأكملها، وكأنها مدينة لا تملك الحد الأدنى من البنية التحتية القادرة على حماية سكانها من ظاهرة طبيعية يفترض أن تكون معروفة ومأخوذة في الاعتبار منذ سنوات.
وجاء هذا المشهد في أسوأ توقيت ممكن بالنسبة إلى النظام. فبينما كان رئيس الدولة يعرض، بالأرقام، خلال جولته في ولاية آدرار، ما يعتبره حصيلة سبع سنوات من الإنجازات، كانت نواكشوط تقدم الاختبار الحقيقي لهذه الحصيلة. والنتيجة واضحة: الخطاب يقول شيئا، والشارع يقول شيئا مغايرا، والشارع لا يكذب. فكل الأرقام التي تُعرض في مداخلات الرئيس لا تستطيع أن تحجب مشهدا يراه المواطن أمام منزله وفي حيه وعلى الطريق الذي يسلكه كل يوم. الواقع أقوى من كل الدعاية وأبلغ من كل الخطابات.
ومنذ سنوات، تتحدث الحكومات المتعاقبة عن مشاريع كبرى للمياه والصرف الصحي في العاصمة، وتُرصد لها مبالغ ضخمة. وفي ديسمبر 2024، وضع رئيس الجمهورية بنفسه حجر أساس مشروع للصرف الصحي بكلفة معلنة بلغت نحو 71 مليار أوقية قديمة. ومع ذلك، وبعد هذا المشروع وقبله، ما تزال العاصمة تتحول عند هطول المطر إلى شبكة من البرك والمستنقعات والطرق المغلقة. فكيف يمكن أن تُصرف كل هذه الأموال وتُعلن كل هذه المشاريع، ثم تبقى المشكلة الأساسية قائمة؟
ومن المستفز أن تتبجح الحكومة بأن فرق الصرف الصحي تدخلت في أكثر من ستين موقعا لشفط المياه وفتح الطرق. هذا ليس إنجازا، بل دليل إضافي على حجم الفشل. فرق التدخل الميداني وُجدت لمعالجة حادث محدود، لا لإنقاذ عاصمة بأكملها بعد كل مطر. وعندما تتحول أحياء ومحاور واسعة من المدينة إلى مواقع تدخل وطوارئ، فإن المشكلة لم تعد في نقطة هنا أو شارع هناك، وإنما في بنية تحتية صُرفت عليها المليارات ولا تؤدي الوظيفة التي صُرفت من أجلها. بعد كل هذه السنوات، كان المطلوب أن تمنع البنية التحتية المشكلة وأن تحمي المدينة من آثارها، لا أن تنتظر وقوعها ثم تعبئ فرق الطوارئ لمحاولة احتواء نتائجها.
ومن هنا يصل السؤال الذي لا يريد النظام مواجهته: أين ذهبت الأموال؟ فعندما تُعلن مشاريع بمبالغ ضخمة، وتُبرم الصفقات، وتُنفذ الأشغال، ثم تبقى المشاكل الأساسية نفسها عاما بعد عام، فلا يمكن اختزال الأمر في الظروف الطبيعية. الكل يدرك أن الفساد وسوء التسيير والزبونية هي سبب هذا الخراب. لا يمكن أن تُهدر مليارات الأوقية في المشاريع والصفقات، ثم يُطلب من المواطن أن يصدق أن العطب سببه المطر. المطر ليس فاسدا. الفساد هو الذي يفتح الباب أمام الاستحواذ على المشاريع، ويهدر المال العام، ويحوله من وسيلة لخدمة المواطن إلى فرصة للثراء الشخصي.
وفي السياق نفسه، يطرح ما سُمّي بـ«مشروع عصرنة نواكشوط» سؤالا أكثر إلحاحا. ما معنى عصرنة العاصمة إذا كان وجهها لم يتغير، وإذا كانت مشاكلها الأساسية لم تُحل، وإذا كانت أوضاعها تزداد سوءا ؟ لقد قُدّم المشروع للرأي العام باعتباره إنجازا ضخما لعصرنة العاصمة، وتحدث الوزير الأول بإسهاب عن الطرق والمياه والمنشآت والخدمات والبنية الحضرية. لكن ماذا يرى المواطن اليوم؟ في نظر سكان نواكشوط، اختُزلت هذه «العصرنة» في تشجير بعض المحاور وزراعة بعض الشجيرات وتجميل بعض الواجهات، بينما بقيت المشاكل البنيوية في مكانها، بل تفاقمت. ما قيمة أن نزرع الأشجار في الشوارع إذا كانت المياه تغرق الشوارع نفسها؟ وما معنى أن نجمّل المحاور إذا كانت البنية التحتية عاجزة عن حماية المدينة عند أول مطر؟
المسؤولية اليوم لا يمكن أن تُلقى فقط على موظف أو مدير أو وزير. فالوزير الأول هو من يقود الحكومة منذ سنوات، ولا يمكنه أن ينسب إلى نفسه وإلى رئيس الجمهورية الإنجازات عندما تسير الأمور كما يريد، ثم يختبئ خلف الوزراء والمسؤولين عندما تفشل المشاريع.
المسؤولية السياسية تبدأ من القمة، وعلى رئيس الجمهورية أن يفتح التحقيقات المطلوبة. فمشاريع بهذا الحجم، وبعد كل ما رُصد لها من أموال وما أُعلن بشأنها من وعود، تحتاج اليوم إلى كشف حقيقتها أمام الرأي العام.
لذلك نطالب بفتح تحقيق برلماني شامل في ملف المياه والصرف الصحي، وخاصة في المشاريع والأموال والصفقات المرتبطة بتصريف مياه الأمطار في نواكشوط، وكشف أين ذهبت الأموال، وما مستوى جودة الأشغال، ومن استفاد من الصفقات، ومن يتحمل المسؤولية.
كما نطالب بفتح تحقيق مستقل وشامل في برنامج عصرنة نواكشوط، في تمويله وصفقاته وأشغاله ونتائجه، لمعرفة ما أُنجز فعلا وما بقي مجرد دعاية، ومن يتحمل مسؤولية هذا الفشل. فالعاصمة لا تحتاج إلى تجميل الفشل، وإنما تحتاج إلى إنهاء الفشل.
وعندما يصل حجم الاستهتار إلى هذا الحد، لا يكفي تغيير الوجوه أو إطلاق وعود جديدة. وعندما تثبت المسؤولية، يجب أن تكون هناك محاسبة حقيقية، وأن يتحمل المسؤولون عن الفشل نتائج أفعالهم، بدءا بالوزير الأول ووزيرة المياه والمسؤولين عن قطاع المياه والصرف الصحي، وصولا إلى كل من يثبت تورطه في التقصير أو سوء التسيير أو العبث بالمال العام".


.gif)

.jpg)


.jpg)