
قال زعيم حركة "إيرا" النائب البرلماني بيرام الداه اعبيد في تدوينة له: "
الحملة التي يشنّها النظام وأبواقه ضدّ المدوّنين في الخارج، باتهامهم تلقي الأموال من موريتانيا، تذكرني بالأسلوب نفسه الذي استُخدم ضدي منذ سنوات. إنها محاولة عبثية لقلب الحقيقة واتهام من يرفضون الصمت بأنهم يبحثون عن المال. لقد عشتُ هذه الأسطوانة طويلًا، ودَفعتُ ثمن مواقفي سجنا واضطهادا وحملات تشويه، ولذلك أعرف جيدا من يقف وراءها وما الغاية منها.
لو كنا نبحث عن المال، لما اخترتنا معارضة النظام ولما رفضنا الدخول في كنفه. بعد انقلاب 2008، رفضتُ أن أنتقد الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، مع أنني كنتُ معارضا لحكمه، عكس الكثير من النخب التي لم تتوانَ عن تبرير انقلاب على رئيس مدني منتخب، فكان الثمن أن أفلت من منصبي في اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان و زُجّ بي في السجن على يد محمد ولد عبد العزيز. واليوم، أرفض أيضا أن أهاجم الرجل الذي كان سجّاني، رغم كل ما بيننا من خلاف سياسي، ولذلك تُشنّ ضدي هذه الحملات.
ولو كنتُ أبحث عن المال، لما قطعتُ علاقتي بمحمد ولد بوعمّاتو، الذي كان صديقا لي وداعما لكفاحي بسخاء. لكن مبادئي وقيمي لم تسمح لي بأن أقبل الإملاءات أو أن أجعل المال يوجّه مواقفي السياسية وخياراتي.
بل إنني عشتُ بنفسي محاولات عديدة لشراء صمتي وموقفي، وأبرزها أنني عُرض عليّ موارد و مبلغ مالي ضخم، يتجاوز ما يمكن تصوّره، مقابل موقف بسيط تجاه النظام في فترة حساسة. رفضتُ ذلك أمام الشهود من كبار النظام أنفسهم، وكفى بالله شهيدا.
وهكذا هو حال من ينتقد النظام، سواء من الداخل أو من الخارج. ولا أحد يدّعي أن كل المدوّنين أو الصحفيين أو السياسيين سواء، فهناك بينهم من يلهث وراء المال، والموريتانيون يعرفون بعضهم. وهؤلاء الذين لا يترددون في بيع مواقفهم لمن يدفع أكثر، يعرفون أين يوجد المال ومن هو مستعد لدفعه بسخاء، ويعرفون أن الطريق إليه يمرّ عبر الصمت السياسي ومهادنة النظام وتلميع صورته وصورة رجال أعماله. أما من اختار المعارضة الصادقة، فهو يعرف أن ثمن موقفه قد يكون باهظا، لكنه مستعد لدفعه. فمن يسعى إلى الثراء السريع لا يختار طريق المعارضة المستمرة للنظام
وليس من الصعب فهم سبب هذه الحملة. فالسلطة تتخبط اليوم في ملفات وقضايا فساد ونهب واستنزاف للمال العام فاجأت الرأي العام بحجمها وبشبكاتها المتغلغلة داخل النظام، بينما كشف الصحفيون والمدوّنون، من داخل البلاد وخارجها، جوانب من حجم هذه الملفات ومن الوقائع التي تحاول السلطة يائسة التعتيم عليها. وهنا يطرح نفسه سؤال مشروع حول توقيت هذه الحملة بالذات، وما إذا كانت تهدف أيضا إلى صرف أنظار الرأي العام عن ملفات أخرى حساسة، وفي مقدمتها ملف حرائق صوملك وما أثاره من تساؤلات حول المسؤوليات والأشخاص القريبين من دوائر السلطة الذين قد تكشف التحقيقات صلتهم بهذا الملف.
لقد كان الأجدر بالسلطة، بدلا من ملاحقة من يفضحون الفساد والتعتيم على ما ينشرونه، أن تفتح تحقيقات جدية، وأن تحاسب من تثبت مسؤوليته، وأن تُظهر إرادة حقيقية في مكافحة الفساد. أما محاولة إسكات من يسلّطون الضوء على هذه الملفات، فلا تكشف إلا غياب الإرادة في مواجهة الفساد والرغبة في إبقاء ما يجري بعيدا عن أعين الرأي العام.
ولذلك لم يعد أمامها إلا أن تحاول إسكات الأصوات التي تكشف ما تريد إخفاءه، أو تشويهها، أو إغراقها في حملات من الأكاذيب والاتهامات.
إن هذا النظام لا يجيد التعامل مع الأصوات الحرة إلا بمنطق العصا والجزرة. فعند وصوله إلى سدة الحكم، لجأ إلى القوانين المقيّدة، ومنها قانون الرموز، وإلى السجن والمتابعات والتضييق على كل من يرفع صوته بالانتقاد، وصولا إلى خنق فرصه الاقتصادية والاجتماعية. والهدف واضح، وهو تخويف المناضلين ودفع أصحاب الرأي إلى الصمت.
وحين لا تنجح العصا، تُمدّ الجزرة عن طريق الاستمالة والإغراء والضغط ومحاولات شراء المواقف والصمت، في الداخل والخارج. وحين تفشل العصا والجزرة معا، يبدأ سلاح التشويه واختلاق التهم والروايات، ومنها اتهام المعارضين بأنهم يبحثون عن المال.
لكن الأصوات الحرة لن تُشترى ولن تُرهب. من اختار النضال السلمي وكشف الحقيقة لا يقايض مبادئه بصفقة، ولا يبيع موقفه مقابل مال، ولا يتراجع تحت التهديد أو الإغراء.
إنني وأحرار هذا البلد من صحفيين ومدوّنين ومناضلين وسياسيين وناشطين في المجتمع المدني ملتزمون تجاه الشعب الموريتاني وتجاه مستقبل هذا البلد، ليس بحثا عن منفعة، بل واجبا ورسالة وأمانة تجاه الوطن والشعب. وسنواصل الطريق حتى النهاية، دفاعا عن الديمقراطية والحقيقة واحترام المبادئ. لا العصا سترهبنا، ولا الجزرة ستشتري صمتنا، ولا التشويه سيمنعنا من مواصلة النضال والدفاع عن الحق.
نواكشوط 29 شتمبر 2026


.gif)

.jpg)


.jpg)