مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

زعيم حركة "إيرا": الحكومة الجديدة: تعيينات تثير اكثر من تساؤل

ثمة خياران في التشكيلة الحكومية الجديدة يستوقفانني على وجه الخصوص، ليس فقط بالنظر إلى طبيعة المنصبين المعنيين، وإنما أيضا لما يثيرانه من تساؤلات بشأن معايير التعيين، ومكانة الكفاءة في تدبير الشأن العام، والخلفيات السياسية المحتملة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة.

أول هذين الخيارين هو تعيين مدني، عثمان با، على رأس وزارة الدفاع، خلفا للجنرال حننه ولد سيدي، الذي راكم خبرة عسكرية طويلة ومعرفة معمقة بالملفات الأمنية والاستراتيجية، ولا سيما في منطقة الساحل.

إن إسناد وزارة الدفاع إلى شخصية مدنية ليس، في حد ذاته، موضع اعتراض، بل إن خضوع المؤسسة العسكرية لسلطة سياسية مدنية فعلية يمثل أحد أسس الدولة الجمهورية. غير أن هذا المبدأ لا يتحقق بمجرد تغيير هوية الوزير، وإنما يقتضي أن يكون المسؤول المعين مؤهلًا لتولي هذه المهمة، وأن يمتلك من الكفاءة والخبرة والسلطة الفعلية ما يمكّنه من ممارسة مسؤولياته.

فكيف يمكن لوزير لا علاقة له بملفات الدفاع، لا تُعرف له خبرة أو كفاءة تخصصية راسخة في المجال العسكري، أن يتولى قيادة هذا القطاع في مواجهة هرمية عسكرية لم تعتد الخضوع لسلطة مدنية؟ وما القيمة المضافة التي يحققها هذا التعيين مقارنة بوزير عسكري يمتلك خبرة ميدانية ومعرفة مباشرة بالملفات الاستراتيجية؟

وتزداد هذه التساؤلات إلحاحا في ظل السياق الأمني الراهن، بما يشهده من توتر حاد في العلاقات مع مالي، واضطراب مستمر في منطقة الساحل، فضلا عن التحديات الأمنية والاستراتيجية على حدودنا الجنوبية والشمالية. ففي مثل هذه الظروف، لا يتعلق الأمر بحقيبة وزارية عادية، بل بقطاع ترتبط كفاءته وفعاليته ارتباطا مباشرا بأمن البلاد وسيادتها.

ولا يمكن فصل هذا التعيين عن تطورات أخرى تمس موقع المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، من بينها القيود المفروضة على ممارسة الضباط المتقاعدين للأنشطة السياسية، فضلا عن الوضع القضائي لعدد من الشخصيات العسكرية التي اضطلعت بأدوار بارزة في الحياة العامة، وفي مقدمتها الرئيس السابق الجنرال محمد ولد عبد العزيز والجنرال المتقاعد لبات ولد معيوف.

هذا التوجه يفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن الاتجاه الذي تسلكه السلطة في إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسية. فهل يتعلق الأمر بتوجه حقيقي نحو إخراج العسكريين من دائرة التنافس السياسي، وإرساء قواعد جديدة تفصل بين المؤسسة العسكرية والطموحات الشخصية إلى السلطة؟ أم أننا أمام عملية لإعادة ترتيب موازين القوى داخل المنظومة القائمة، بما يحد من قدرة بعض الشخصيات على التأثير في مستقبل الحكم، ويمهّد لمرحلة سياسية جديدة تُدار وفق حسابات السلطة ومصالحها؟

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2029، تكتسب هذه التساؤلات بعدا إضافيا. فهل يراد من هذه الترتيبات تهيئة الظروف للتمسك بالسلطة لولاية ثالثة، بما يطرح إشكالا دستوريا جوهريا في ضوء القيود المفروضة على عدد المأموريات الرئاسية؟ أم أن الأمر يتعلق بالتحضير لخلافة سياسية مضبوطة، يجري فيها اختيار مرشح آخر من داخل المنظومة نفسها، بما يضمن استمرار النظام القائم مع تغيير واجهته؟

أما الخيار الثاني الذي يستوقفني في التشكيلة الحكومية، فيتعلق بوزارة الشؤون الإسلامية، التي أُسندت، في تعديلات حكومية متعاقبة، إلى شخصيات لا تبدو خبرتها التخصصية في هذا المجال واضحة. وهو ما يطرح بدوره تساؤلات بشأن المعايير المعتمدة في اختيار المسؤولين عن قطاعات تتطلب معرفة عميقة بطبيعتها وخصوصيتها.

فكيف يمكن التعامل مع قطاع بهذه الحساسية كما لو كان مجرد حقيبة إدارية عادية، دون اعتبار كاف لمكانة العلماء والأئمة وأهل الاختصاص، ولما يمتلكونه من معرفة ومرجعية علمية تؤهلهم للإسهام في رسم السياسات المتعلقة بالشأن الديني؟ أليس في هذا التوجه ما يوحي باستخفاف ضمني بالكفاءات العلمية والدينية، وبالتعامل مع هذا القطاع بمنطق توزيع المناصب بدلا من منطق الاختصاص والاستحقاق؟

وفي الحالتين، تتجلى مشكلة أوسع من مجرد اختيار هذا المسؤول أو ذاك. إنها نزعة متزايدة إلى إسناد قطاعات استراتيجية وحساسة إلى أشخاص لا تتضح كفاءتهم التخصصية، ولا تُعرف لهم رؤية متكاملة أو مشروع واضح قادر على إحداث تغيير ملموس.

فالوزارة ليست منصبا للتجربة، ولا مدرسة يتعلم فيها المسؤول أبجديات القطاع على حساب الزمن والمصلحة العامة. إن الوقت الذي يُستهلك في اكتشاف الملفات وفهم آليات العمل واستيعاب التحديات هو وقت يُقتطع من الفعل والإنجاز. وحين يبدأ الوزير في الإحاطة بملفاته، قد يأتي تعديل حكومي جديد ليُنهي مهمته قبل أن تتاح له فرصة ترجمة مسؤولياته إلى نتائج ملموسة.

إن معيار التعيين في دولة جادة لا ينبغي أن يكون مجرد الولاء أو التوازنات أو توزيع الحقائب، بل الكفاءة والخبرة والرؤية والقدرة على الإنجاز.

فالدولة لا تُدار بتبادل المناصب، ولا تُبنى مؤسساتها بتعيين أشخاص يحتاجون إلى اكتشاف طبيعة مسؤولياتهم بعد توليها. وإذا كانت إعادة تشكيل الحكومة لا تستند إلى رؤية واضحة ولا إلى معايير موضوعية للكفاءة، فإنها لن تكون سوى إعادة توزيع للمواقع داخل السلطة، دون أن ينعكس ذلك بالضرورة على أداء الدولة أو مصالح المواطنين.

بيرام ولد الداه ولد أعبيد 
11 أكتوبر 2026

أحد, 11/10/2026 - 20:53