مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

التشكيلة الحكومية الجديدة بين هندسة التوازنات و صدمة المفارقات، قراءة متأنية لابعاد التعديل الوزاري /بقلم: اباي ولد اداعة

لم تكن التشكيلة الحكومية الجديدة في موريتانيا مجرد تعديل وزاري عابر، بل جاءت لتثير عاصفة من النقاشات في الشارع الموريتاني الذي ترقبها طويلاً تحت وطأة أزمات معيشية خانقة؛ من غلاء الأسعار و ازمة محروقات امام المحطات و انقطاعات الكهرباء والماء، وصولاً إلى تدني خدمات التعليم والصحة. غير أن تفاصيل هذه التشكيلة حملت مزيجاً معقداً بين إرث المحاصصة التقليدية و صدمات سياسية وفقهية غير متوقعة .
فمن جهة استمرت التعيينات في الدوران بفلَك القواعد المعهودة منذ العهد الديمقراطي، حيث خضع توزيع الحقائب للمقايسات القبلية، والجهوية، والشرائحية. ورغم تطعيم الحكومة بكفاءات شبابية من دكاترة و مهندسين و كوادر قادمة من فضاء العمل البلدي والبرلماني و غيرها شكلت السواد الأعظم داخل التشكيلة الحكومية، 
إلا أن الاستياء ظل حاضراً بسبب الحفاظ على وجوه أثبتت فشلها في قطاعات حيوية،  وظلت محمية بمظلة الأغلبية الداعمة للنظام.
لكن الزلزال الحقيقي في هذه التشكيلة تمثّل في خروج وزراء سيادة من العيار الثقيل والحرس القديم، الذين أداروا ملفات سياسية و أمنية وانتخابية بالغة الحساسية منذ تولي فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني سدة الحكم. 
حيث انقسمت قراءات المراقبين بشأنهم بين من رأى في الخطوة بادرة حسن نية وسحباً لعقبات تاريخية أمام الفرقاء السياسيين تمهيداً لحوار وطني مرتقب يرسم ملامح المرحلة القادمة والمأمورية الرئاسية الأخيرة دستورياً، وبين من وصف الإجراء بأنه سحب للبساط وتصفية حسابات تدخل في إطار صراع الأجنحة النافذة داخل أروقة السلطة.
وفي مقابل رحيل الحرس القديم،
تم إسناد الحقائب الوزارية الخدمية الحيوية لأصحاب الكفاءات و الخبرات الفنية المتخصصة و من ابرز الأمثلة تعيين
 المفوض السامي لمنظمة استثمار نهر السنغال الدكتور محمد ولد عبد الفتاح علي راس قطاع الطاقة
وهي عودة  لتكنوقراطي و صاحب الخبرة التاريخية؛ فإلى جانب مساره الناجح كمفوض سامٍ لمنظمة استثمار نهر السنغال يمتلك معالي الوزير رصيداً كبيراً في إدارة مشاريع الطاقة و النفط وجلب الاستثمارات الدولية. إنها عودة تُجسد وضع الرجل المناسب في المكان المناسب لتنفيذ توصيات لجنة التحقيق وإعادة الهيبة الفنية للقطاع، وضمان أمن الطاقة للبلاد .
كما خضع تقييم التشكيلة أيضاً لمعيار الكفاءة السياسية لضمان تنفيذ برنامج فخامة رئيس الجمهورية "طموحي للوطن" الموجه للشباب والفئات الأقل دخلاً. شمل التعديل خروج 10 وزراء ودخول وجوه جديدة وتدوير آخرين بما يضمن ضبط التوازنات السياسية والجهوية داخل بنية السلطة استعداداً للمرحلة المقبلة.
بالتأكيد أحدث التعديل الوزاري الجديد هزة في المشهد السياسي، بعد أن أطاح بأبرز ركائز المربع الأمني التقليدي، ودفع بشخصيات مدنية إلى سدة وزارتي الدفاع و الداخلية. هذا التحول غير المسبوق فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش محتدم وقراءات سياسية متباينة بين من يراه مغامرة غير محسوبة العواقب، ومن يعتبره خطوة استراتيجية نحو تكريس الدولة المدنية.
ينطلق التيار التشكيكي من مخاوف أمنية صرفة، ويرى أن إسناد حقائب سيادية و حساسة كالدفاع و الداخلية لأسماء من خارج المؤسسة العسكرية والأمنية يعد مجازفة في توقيت حرج. وتستند هذه الرؤية إلى تعقيدات المحيط الإقليمي لموريتانيا، حيث تعيش منطقة الساحل الإفريقي اضطرابات و تحديات عابرة للحدود فضلاً عن حاجة الجبهة الداخلية إلى خبرة ميدانية صارمة لضبط التوازنات الحساسة.
في المقابل يرى المدافعون عن هذا التوجه أبعاداً استراتيجية مغايرة فرئيس الجمهورية  بموجب خلفيته العسكرية الطويلة وقبضته على الملف الأمني، يظل الممسك الأول بخيوط الأمن القومي بالتنسيق المحكم مع القادة العسكريين و الأمنيين كل من موقعه ،
 مما يرفع عبء التخصص الفني عن كاهل الوزراء المدنيين الجدد. و وفق هذه الرؤية تهدف الخطوة إلى إنهاء مراكز القوى التقليدية و تحرير وزارة الداخلية للتركيز على ملفات اللامركزية والتنمية المحلية مع خلق فريق حكومي متجانس ينهي الخلافات البيروقراطية ويسرّع عجلة الإصلاح الإداري.
ولعل المفارقة الأكثر غرابة وإثارة للدهشة في هذه التشكيلة الجديدة و التي تحولت سريعاً إلى حديث الصالونات والنخب هي إسناد حقيبة وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي لطبيب جراح ومتخصص في أمراض الأعصاب. هذا التعيين الفريد من نوعه ألقى بظلاله كنازلة فقهية و سياسية غير مسبوقة في تاريخ الحكومات الموريتانية؛ حيث جرت العادة أن يكون هذا القطاع حكراً على جهابذة الفقه، والعلماء، وخريجي المحاظر العريقة. أو علي الأقل فقهاء القانون أو الإقتصاد أو خبير محيطات كما سبق و أن ترأس القطاع ،
اليوم يقف طبيب الأعصاب وجراحها أمام جمهور عريض من الفقهاء والعلماء والشارع المتدين، في انتظار ردّ شافٍ يُثبت ما إذا كان مشرط الجراح قادراً على تفكيك المشاكل الهيكلية لقطاع التوجيه الإسلامي و المحاظر ،
أم أن التوازنات السياسية قد ذهبت بعيداً هذه المرة لتضع الكفاءة العلمية الدقيقة في غير موضعها الطبيعي.
تأسيسا لما سبق وبناءً على المعطيات الميدانية و التحليلية الحاصلة، لا يمكن توصيف أو تصنيف الحكومة الجديدة كحكومة إدارة أزمات خدمية فحسب، بل هي حكومة تمهيد إستراتيجي بامتياز صِيغت أوزانها بدقة. لقد فكك النظام مراكز القوى القديمة ليُفسح المجال أمام فريق متماسك ومطيع إجرائياً، متهيئاً بكفاءة فنية عالية لامتصاص غضب الشارع تنموياً، ومستعداً سياسياً لتنفيذ السيناريوهات الكبرى التي سترسمها نتائج الحوار الوطني المرتقب بشأن مستقبل الدستور والتداول على السلطة في البلاد. 
بين هواجس النقد التي تخشى الفراغ الأمني، و إكراهات المحاصصة و طموحات الكفاءات الشابة و ألغاز خروج الحرس القديم و رهانات التغيير التي تتطلع إلى مدنية الدولة وتنمية الداخل، تظل الحكومة الجديدة أمام شاشات إختبار شعبية و سياسية حاسمة لن تمنحها الكثير من الوقت للتأقلم ،
في حين يبقى المحك الفعلي ليس في خلفية الأشخاص، بل في الكفاءة و القدرة على إدارة الأزمات. فالأيام المقبلة هي الفيصل الحقيقي الذي سيحدد ما إذا كان هذا التعديل فصلاً جديداً من الاستقرار و التنمية أم تحدياً إدارياً قد يعيد صياغة المشهد من جديد .

   حفظ الله موريتانيا 
    

 

اثنين, 12/10/2026 - 01:10