مساحة إعلانية

     

   

    

  

الفيس بوك

فرنسا على مفترق الطرق احتراق الشوارع وطموحات جيل زد الصاخبة/بقلم: اباي ولد اداعة

شهدت العاصمة الفرنسية باريس ومدن كبرى أخرى موجة من الإحتجاجات العارمة يقودها حراك طلابي دخلت علي خطه هيئات نقابية تخللها انفلات 
أمني كبير وفوضى شوارع واسعة، في مشهد يعيد إلى الواجهة التساؤلات المؤجلة حول مستجدات الهوية و المواطنة و العدالة الاجتماعية. ولم تعد هذه الأحداث مجرد احتجاجات عابرة، بل هي انتفاضة كشفت ان المدرسة الحكومية في الاحياء الشعبية تحولت من مصعد اجتماعي موعود إلي مرآة تعكس عمق الفجوة بين الوعود الرسمية و شعارات الجمهورية الفضفاضة والواقع المعاش المرير في الضواحي والمناطق المهمشة.
تتجلى معضلة الداخل الفرنسي في تلك المواطنة المشروطة بالانجاز. فحينما يرفع أبناء المهاجرين كأس العالم بقميص فرنسا، تُفتح لهم أبواب الشانزليزيه ويُستقبلون كأبطال فرنسيين من الدرجة الأولى وسط احتفالات وطنية صاخبة. لكن هذا التقدير سرعان ما يتبخر في دهاليز الحياة اليومية، حيث يواجه الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين تمييزاً هيكلياً يعزلهم في ضواحي تفتقر للتنمية و تكافؤ الفرص. وعند المطالبة بالحقوق المدنية والاجتماعية، يصطدمون بإنكار رسمي وتجاهل لإسهاماتهم، مما يولد شعوراً حاداً بالإحباط والاغتراب داخل وطنهم.
ماذا يريد جيل زد (Gen Z) ؟
لم يعد الفضاء الأزرق الرقمي مجرد منصة افتراضية، بل تحول إلى محرك رئيسي وموجه لحركة الشارع التي يقودها جيل زد من تلاميذ الاعدادية و الثانوية وطلاب الجامعات ،
الجيل الذي تشكل وعيه في عصر العولمة الفائقة وشبكات التواصل الاجتماعي. إن هذا الجيل لا يبحث عن مجرد شعارات رنانة أو وعود سياسية تقليدية، بل تتلخص مطالبه في نقاط حاسمة :
• العدالة الاجتماعية الفورية : إنهاء التهميش الاقتصادي وتوفير فرص عمل حقيقية وسكن لائق في الضواحي.
• الاعتراف الكامل وغير المشروط : تفكيك النظرة الأمنية والتمييزية تجاه أبناء الأقليات و التعامل معهم كفرنسيين كاملة مواطنتهم في كل الأوقات، وليس فقط في مواسم الانتصارات الرياضية.
• احترام الهوية المتعددة : رفض قوالب الاندماج التقليدية التي تطمس أصولهم وثقافاتهم، والمطالبة بنموذج تعايش يحترم التنوع.
- المطالبة بإلغاء منصة المسار المتقدم Parcoursup التي اعتبروها أداة للفرز الطبقي و الإقصاء المسبق   و المطالبة ايضا بزيادة الدعم الحكومي و توفير بيئة تعليمية عادلة في مناطق ضواحي باريس الهشة و التي تعاني من نقص الموارد و المعلمين ،
- الي جانب ذلك المطالبة بالحد من غلاء المعيشة و ارتفاع اسعار الوقود و تقليص البطالة ،
لكن المفارقة في مثل هذه الإحتجاجات داخل المجتمعات المتقدمة و النامية رغم الفارق في الدخل القومي ،
ان المواطن الفرنسي يشكو و يحتج لحماية مكتسبات الرفاهية، بينما لا يزال المواطن في دول الجنوب يكافح لتأمين مقومات البقاء الأساسية : صحة ، تعليم ، كهرباء ، ماء ... الخ
حيث توضح هذه المقارنة أن العدالة الاجتماعية مفهوم نسبي ،
فما يعتبره مواطن في دولة نامية  "حلم بعيد المنال " يراه المواطن في دول مثل فرنسا حقا بديهيا غير قابل للمس .
في مشهد لافت لهذا الحراك يعكس قوة التضامن الإنساني، برز ارتداء الطلاب الفرنسيين للكوفية الفلسطينية خلال احتجاجاتهم السلمية كعلامة فارقة. لم تعد هذه الكوفية مجرد وشاح تقليدي، بل تحولت إلى أيقونة عالمية وشعار يرمز للكفاح، والنضال ضد الظلم، والسعي نحو التحرر و الحرية، رابطةً بين الحراك الطلابي الغربي وقضايا العدالة الإنسانية حول العالم.
إلى أين تتجه فرنسا ؟
تقف فرنسا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما فإما الاستمرار في تبني المقاربات الأمنية البحتة و إنكار و تجاهل الأسباب السوسيولوجية العميقة للأزمة، وهو ما سيقود البلاد حتماً إلى مزيد من الانقسام وتكرار دورات العنف والاضطراب. وإما الشروع في مراجعة شجاعة للنموذج الاجتماعي و الجمهوري، والانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة العمل المؤسساتي الحقيقي الذي يضمن السلم الأهلي عبر بوابة العدالة الاجتماعية الشاملة وتكافؤ الفرص لجميع مواطنيها دون استثناء.
أمام هذا المشهد المتفجر، انقسمت القوى السياسية الفرنسية في تشخيصها للأزمة وطريقة التعامل مع الجيل الجديد ومنصاته الرقمية 
إلي تيار يميني يري (بمختلف أطيافه من الجمهوريين إلى التجمع الوطني) أن ما يحدث هو انفلات أمني صريح و تهديد لسيادة الدولة، وتتلخص رؤيته في المطالبة  بفرض قيود مشددة على منصات تيك توك وسناب شات، تصل إلى حد الحجب المؤقت لخدمات البث المباشر وتحديد المواقع أثناء الاضطرابات لمنع التنسيق بين المشاغبين.
و التركيز على تحميل أولياء الأمور المسؤولية القانونية و المادية عن أفعال القاصرين، واعتبار الاحتجاجات مدفوعة بانعدام الانضباط والتنشئة السليمة و ليس بسبب الفقر .
و يرى هذا التيار أيضا أن استعادة الأمن في الشارع يجب أن تسبق أي نقاش حول الحقوق الاجتماعية أو التمييز.
على الجانب الآخر، يرى تيار اليسار (مثل فرنسا الأبية والحزب الاشتراكي) أن الفوضى الرقمية والشوارعية هي عرَض للمرض وليس المرض نفسه، متبنياً رؤية مغايرة ترفض حجب المنصات، معتبراً أن تقييد التكنولوجيا هو محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة والتغطية على عنف الشرطة أو الفشل الحكومي.
بحيث يربط اليسار غضب جيل زد بعقود من التهميش الاقتصادي  و العنصرية النظامية وغياب تكافؤ الفرص في الضواحي.
لذا يطالب بإصلاحات عميقة في جهاز الشرطة، والاستثمار الحقيقي في التعليم و السكن، معتبراً الشعارات الأمنية وحدها أداة لتعميق الانقسام المجتمعي.
حيث تجد فرنسا نفسها اليوم في مواجهة مع جيل يملك أدوات رقمية تتجاوز قدرة القوانين التقليدية على السيطرة السريعة. 
في حين يصر اليمين على أن فرض الهيبة الأمنية وتقييد الفضاء الرقمي هو الحل، بينما يؤكد اليسار أن الشارع لن يهدأ دون عدالة اجتماعية و اعتراف حقيقي بالمواطنة الكاملة. هذا الاستقطاب السياسي يجعل البلاد أمام تحدٍّ مصيري لابتكار نموذج جمهوري جديد يستوعب أدوات القرن الحادي والعشرين ويحتوي طموحات شبابه الغاضب.
و قد جاء خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتلفز في خضم واحدة من أسوأ موجات الاضطرابات الاجتماعية وأعمال الشغب التي تشهدها فرنسا منذ سنوات.
 و تأتي هذه التطورات قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة .
 وقد تنزل خطابه في قالب يوازن بشكل مباشر بين المقاربة الأمنية الصارمة لوقف التدهور ميدانياً، والمناورة السياسية لاحتواء الاحتقان وتطويق خصومه المعارضين، وذلك في أعقاب موجة الاحتجاجات العنيفة وأعمال الشغب التي شهدتها فرنسا.
حيث انقسم الشارع السياسي الفرنسي بشأن تأثير هذا الخطاب إلى اتجاهين : اتجاه يرى فيه خطوة للتهدئة عبر عزل المجموعات التخريبية، وفتح باب الحوار الاقتصادي، واستمالة الرأي العام الرافض للفوضى.
واتجاه يراه صباً للزيت على النار ، بسبب التركيز على المقاربة الأمنية، وشيطنة الحراك، والتشكيك الشعبي في جدية الوعود الحكومية.
 بحيث يتوقف نجاح الخطاب على سرعة تقديم حلول اقتصادية ملموسة في الأيام المقبلة، مقابل خطر التصعيد إذا طغت المعالجة الأمنية.
خاصة أن الاحتجاجات لم تعد تقتصر على فئة واحدة ، بل شملت تحالفاً عريضاً من الطلاب، المعلمين، ونقابات العمال، وبالتالي فإن تبسيط الأزمة وحصرها في مجموعات منحرفة قد يستفز هذه الكتل ويدفعها لتصعيد الحراك تأكيداً على مشروعية مطالبها.

    كامل الاستقرار 
   

اثنين, 19/10/2026 - 12:57