مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

الدكتوراه لا تعفي صاحبها من الصرامة التاريخية ولا من احترام شعبه/يقلم: محمد المختار ولد الأمين ولد بابانا

أحيانًا تدفعنا مجرد حلقة تلفزيونية إلى التفكير أبعد بكثير من الكلام الذي سمعناه فيها. ومؤخرًا، بينما كنت في سيارتي، كان أحد موظفيّ يشاهد على تطبيق «تيك توك» مداخلة تتناول تاريخ حرب الصحراء سنة 1975. وقد قُدّم لي المتحدث باعتباره محللًا سياسيًا. كما علمت أنه يحمل شهادة دكتوراه، من دون أن أعرف تخصصه أو المسار الذي أوصله إلى الحصول عليها.

أنا لا أسعى هنا إلى التشكيك في شهادة لا أعرف تفاصيلها، وإنما أتساءل عما تضيفه مثل هذه الشهادة فعلًا إلى المجتمع. ما قيمة المعرفة إذا لم تسهم في إنارة النقاش العام، وتعميق فهم تاريخنا، ومساعدة المواطنين على فهم بلدهم بصورة أفضل؟

فقيمة الإنسان لا تُقاس فقط بالشهادات التي يحملها، وإنما أيضًا بما يقدمه للآخرين. فقد يكون عامل لحام، على سبيل المثال، أكثر نفعًا لبلده أحيانًا من شخص يحمل الدكتوراه؛ فهو يمارس مهنة ملموسة، ويدرّب متعلمين، وينقل إليهم خبرة تمكنهم من كسب عيشهم. وهذا لا ينتقص بأي حال من قيمة الدراسات الجامعية، وإنما يذكّر بأن المعرفة تبلغ كامل قيمتها عندما تتحول إلى إسهام حقيقي في خدمة المجتمع.

لكن ما أثار انتباهي بشكل خاص في هذه المداخلة هو الطريقة التي بدا بها هذا المحلل وكأنه يضع جزءًا من الشعب الموريتاني موضع الاتهام بسبب صلته التاريخية بتيار سياسي كان ينتمي إليه أول رئيس للبلاد، المختار ولد داداه.

منذ متى أصبحت الانتماءات السياسية لرئيس سابق كافية لإلقاء اللوم على جزء من مواطنيه؟ ومنذ متى يمكن اختزال فئة من السكان في اعتبارات سياسية موروثة من الماضي؟

يمكن انتقاد قرارات المختار ولد داداه، ومناقشة خياراته، وانتقاد نتائج سياساته. وأنا شخصيًا لا أتفق بالضرورة مع جميع توجهاته. لكن ذلك لا يمنعني من الاعتراف بأنه كان رئيسًا لموريتانيا، وأنه كان مطالبًا بالدفاع عن بلده في ظل الإمكانات المحدودة التي كانت متاحة له.

انتقاد الحاكم أمر مشروع، أما إدانة جماعية لجزء من الشعب فشيء آخر تمامًا. فالمواطنون لا يتحملون جميعًا المسؤولية نفسها، ولا يجوز اختزالهم في انتماء سياسي موروث من التاريخ.

إن الحديث عن حرب الصحراء سنة 1975 يثير سؤالًا آخر لا يقل أهمية، وهو سؤال الذاكرة المتعلقة بقتلى الحرب.

لقد تحدث المتدخل عن شهداء المعسكر الآخر، لكن ماذا عن الجنود الموريتانيين الذين فقدوا حياتهم؟ ماذا عن تضحياتهم وعن الأسر التي لا تزال تعيش ألم فقدانهم؟ وهل تستحق ذاكرتهم قدرًا أقل من الاعتبار؟

إن تكريم قتلى الطرف الآخر ليس أمرًا مذمومًا في حد ذاته، فكل حياة بشرية تستحق الاحترام. لكن هذا الاحترام لا ينبغي أن يؤدي إلى تجاهل جنود البلد نفسه، خصوصًا عندما يدّعي المرء تحليل حرب تركت أثرًا عميقًا في تاريخه. فالتحليل المتوازن ينبغي أن يعترف بتضحيات الطرفين، من دون أن يمحو تضحيات الموريتانيين.

أما مسألة مكاسب الحرب، فهي بدورها تستحق أن تُبحث حتى نهايتها.

فإذا كنا نسأل عما كسبته موريتانيا أو خسرته خلال حرب الصحراء، فلماذا لا نطرح بالصرامة نفسها سؤال المكاسب والخسائر المرتبطة بالخيارات الدبلوماسية التي أعقبتها، وخاصة الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية؟ ما الفوائد الملموسة التي جنتها موريتانيا من ذلك؟ وما النتائج السياسية والدبلوماسية التي ترتبت عليه؟

لقد أُعلنت الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية سنة 1976، ولا يزال الاعتراف الدولي بها متفاوتًا. ويمكن النقاش حول وضعها القانوني والسياسي وحول السياسة التي انتهجت تجاهها، لكن التحليل الجاد يجب أن يدرس الوقائع والقرارات ونتائجها.

فلا يمكن التساؤل عن نتائج حرب من دون تقييم الخيارات الدبلوماسية والسياسية التي أعقبتها. وإذا كنا نطالب بتقييم القرارات العسكرية، فعلينا أيضًا أن نقبل بتقييم القرارات السياسية. وينبغي أن ينطبق المعيار نفسه على جميع القرارات، بما فيها تلك التي لا تنسجم مع قناعاتنا.

كثيرًا ما نسمع أن المنتصرين هم من يكتبون التاريخ. وهذه العبارة نفسها تدعونا إلى الحذر؛ فهي تذكّرنا بضرورة التحقق من المصادر، وفهم الأحداث في سياقها، ومقارنة الروايات المختلفة. فمن يريد الحديث عن التاريخ ينبغي أن يمتلك معرفة راسخة بالمرحلة التي يتناولها، وأن يميز بين الوقائع والآراء، وأن يتقبل أن الحقيقة قد تكون أحيانًا أكثر تعقيدًا من الشعارات السياسية.

ينبغي للمثقف أن يسهم في إنارة الوعي، لا في تقسيم المواطنين. وينبغي أن يكون قادرًا على انتقاد الحكام من دون ازدراء جزء من الشعب، وأن يتحدث عن موتى الخصم من دون أن ينسى قتلى بلده، وأن يبحث في مكاسب الحرب من دون أن يتجنب تقييم القرارات السياسية والدبلوماسية التي أعقبتها.

وفي نهاية المطاف، ليست القضية فقط معرفة الشهادة التي يحملها الإنسان، وإنما معرفة ما يفعله بعلمه. فالشهادة الجامعية قد تثبت مسارًا أكاديميًا، لكنها لا تضمن وحدها سلامة الحكم ولا جودة التحليل. فالكفاءة الحقيقية تُعرف أيضًا بالصرامة، والنزاهة الفكرية، والاحترام الواجب للشعب.

يمكننا أن ننتقد رئيسًا، وأن نعارض حزبًا، وأن نناقش خيارات مرحلة تاريخية معينة. لكن لا ينبغي أبدًا استخدام التاريخ للتشهير بجزء من المواطنين، ولا ترك الجنود الذين ضحوا بحياتهم من أجل وطنهم في الظل.

فالذاكرة الوطنية تستحق أكثر من أحكام انتقائية؛ إنها تستحق الحقائق، والموضوعية، والإنصاف، والاحترام لجميع الموريتانيين.

خميس, 22/10/2026 - 16:08