
بدأ سجال واسع مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي كاد ان يخرج عن حدود اللباقة و يسيئ الي العلاقات الأخوية و يثير النعرات و الفتن عقب تقارير و قراءات متسرعة لتقرير أممي وتوضيحات تتعلق بترسيم الحدود، مما أدى إلى نسج سيناريوهات سياسية لم تصدر عن أي جهة رسمية
في حين أكد مسؤولون و سياسيون من كلا الجانبين أن الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية بين الرباط وانواكشوط أكبر بكثير من أي تأويلات أو محاولات لإثارة التوتر في وسائل التواصل الاجتماعي ,
تحتل منطقة الكويرة مكانة استراتيجية فائقة الحساسية في معادلة الأمن القومي الموريتاني, نظراً لالتصاقها الجغرافي العضوي بمدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد، وشريانها المالي المتجسد في منشآتها الحيوية ومينائها المعدني.
فهي بلدة أشباح صغيرة في طريقها الي الإندثار تطل علي المحيط الاطلسي وتبعد 15 كلم عن مدينة انواذيب و هي جزء من أراضي الصحراء الغربية، احتفظت بها موريتانيا منذ 1979 بموافقة من المغرب لحين التسوية النهائية للنزاع بالنظر لموقعها الاستراتجي القريب من العاصمة الاقتصادية انواذيب .
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبرز الحفاظ على استقرار هذه النطاقات الجغرافية كأولوية استراتيجية ملحة لنواكشوط، يتداخل فيها الواقع الميداني مع الأطر الدبلوماسية والقانونية الدولية.
من الناحية الميدانية، تنفرد القوات المسلحة الموريتانية بالوجود الحصري والفعلي في الكويرة منذ عقود، وهو حضور أمني أثبت نجاعته كصمام أمان لحفظ الاستقرار وتأمين الملاحة الدولية. ورغم أن هذا الحضور الحصري يُعد في العرف الدولي مؤشراً قوياً على القدرة السيادية لحماية النطاقات الجغرافية و تأمين الامتداد الحيوي لمدينة نواذيبو،
إلا أن نواكشوط تحرص على إبقائه في سياقه الوظيفي الحمائي، بعيداً عن أي أطماع توسعية.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة الموريتانية رسمياً نفيها القاطع لوجود أي مطالب ترابية لها في مدينة الكويرة ، مشددة على أن موقفها التاريخي المنسحب من النزاع منذ عام 1979 يظل ثابتاً ولم يتغير. وتوضح نواكشوط أن أي مقترح يتعلق بتشكيل لجنة لتوضيح الحدود الدولية تحت الرعاية الأممية لا يعدو كونه خطوة استباقية وتوافقية تهدف إلى تفادي أي إشكالات قانونية، أمنية، أو اقتصادية مستقبلية، خاصة بعد انتهاء ملف الصحراء. هذا التوجه يعكس حكمة الدبلوماسية الموريتانية التي تسعى إلى تحصين منشآتها الاقتصادية الكبرى عبر آليات الترسيم الواضحة، مستندة إلى مبدأ الحياد الإيجابي الذي يمنحها مصداقية كشريك موثوق في المنطقة.
إن الرغبة في تأمين المصالح الحيوية الموريتانية دون المساس بالعمق المتين للعلاقات الثنائية مع المملكة المغربية يجد سنداً متيناً في أدوات القانون الدولي. وتبرز هنا اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) كإطار مرجعي ناجع لتسوية توضيح الحدود بطرق سلمية ومنصفة. ولعل في السوابق القضائية الدولية قواسم مشتركة ملهمة , مثل قضية غانا وكوت ديفوار (2017) التي أمنت مصالح الطرفين ومشاريع الطاقة لديهما، وقضية بنغلاديش وميانمار (2012) التي حققت الاستقرار التنموي في منطقة معقدة، فضلاً عن قضية تونس وليبيا التي ارتكزت على استبعاد التأثير الجغرافي غير المتناسب لتحقيق الإنصاف المائي.
بالتأكيد يتكامل الموقف الرسمي النافي للأطماع الترابية مع المقاربة القانونية والدبلوماسية الهادئة، فالهدف الموريتاني لا يرمي إلى فرض سياسة الأمر الواقع، بل يطمح إلى استثمار التنسيق المشترك مع المغرب والمظلة الأممية لتحويل الواقع الميداني المستقر في الكويرة إلى إطار قانوني نهائي و واضح. إن هذه الخطوة التوافقية تشكل الضمانة الأمثل لحماية السيادة الاقتصادية للبلاد، وتجنب المقايضات السياسية المعقدة، بما يخدم استقرار المنطقة ويدعم أواصر الود الأخوي والتعاون الاستراتيجي بين نواكشوط والرباط.
كامل الود و حسن الجوار





.jpg)