
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو عصرنة العاصمة انواكشوط وتحسين وجهها الحضاري، وتُكثّف فيه الجهات المعنية حملات التوعية لمطالبة الساكنة بالتقيد الصارم بقواعد النظافة ورمي القمامة في الحاويات المخصصة لها بنقاط التجمع، يصطدم المواطن الملتزم يومياً بمشهد سريالي يفرغ كل هذه الجهود من محتواها؛ شاحنات مكشوفة مخصصة لنقل النفايات، تجوب الشوارع الرئيسية وهي محملة بأطنان من الأوساخ المتطايرة يمينا و يسارا بفعل الرياح وسرعة القيادة، وكأن مهمتها الأساسية تحولت من نقل النفايات إلى المكب الرئيسي لمعالجتها، إلى إعادة توزيعها وإفراغها وسط العاصمة و على طول طرقاتها الحيوية.
المفارقة الصادمة والأنكى في هذا المشهد المعاش يومياً، هي أن هذه الشاحنات التي تنطلق ممتلئة من داخل الأحياء، تصل إلى المكب الرئيسي خارج العاصمة وهي شبه خاوية !
لقد تم تفريغ حمولتها تدريجياً وعلى الهواء مباشرة طوال الرحلة أمام أعين الناس وفي المَلأ، لتعود الشوارع التي نُظفت بالأمس غارقة في القمامة اليوم، في حلقة مفرغة تعكس تبديداً صارخاً للمال العام و جهود العمال، وتحدث في ظل غياب تام لأي دور رقابي أو محاسبة تردع هذا الاستهتار.
إن هذا السلوك العشوائي يتجاوز مجرد الإهمال؛ فبالإضافة إلى التلوث البصري والبيئي، يمثل تطاير الأكياس والمخلفات في الطرق السريعة خطراً أمنياً يهدد سلامة السائقين ويتسبب في حوادث سير مباغتة والأخطر من ذلك هو الأثر النفسي على المواطن، حيث يساهم هذا المشهد في إحباط الوعي المدني فما قيمة التزام الساكنة بجمع القمامة و وضعها في مكانها الصحيح إذا كانت الجهة المؤتمنة على رفعها هي من تعيد نشرها في قلب المدينة دون حسيب أو رقيب؟
عصرنة نواكشوط لا تبدأ من الشعارات، بل من تفاصيل الإدارة الميدانية وتفعيل الرقابة. إن الجهات المعنية والقائمة علي نظافة العاصمة مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بفرض حلول فورية و بسيطة تبدأ بإلزامية تغطية الشاحنات بإحكام أثناء النقل، وتفعيل آليات المحاسبة ضد السائقين المستهترين، في انتظار تحديث الأسطول بشاحنات ضاغطة ومغلقة. النظافة سلوك ومسؤولية مشتركة، وحين تصبح وسائل النظافة هي أداة التلوث الأساسية علناً، فإن المحاسبة تصبح واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل .
الوطن امانة في اعناقنا



.jpg)