
في ظل الاستقطاب الدولي الحاد و في السياق الإقليمي البالغ التعقيد و الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة في سلاسل الإمداد العالمية، تشكل القمة الروسية الإفريقية الثالثة المنعقدة في موسكو منعطفاً استراتيجياً بارزاً يعيد رسم موازين القوى والشراكات الدولية للقارة الإفريقية، متجاوزةً الأطر التقليدية نحو أفق الشراكات المتعددة الأقطاب.
و تأتي هذه القمة لتترجم رغبة متبادلة في كسر الجمود الدولي، فروسيا تسعى لتأكيد حضورها الجيوسياسي وتوسيع دائرة حلفائها، بينما تجد إفريقيا في هذا التقارب فرصة تاريخية لتنويع بدائلها الدولية، والتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية عبر بناء علاقات قائمة على الندية و المصالح المشتركة.
في قلب هذا المشهد المعقد، يبرز حضور فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،
ليعكس الدور الدبلوماسي الريادي و المتوازن لموريتانيا، التي تسعى مع شقيقاتها من الدول الإفريقية إلى صياغة نموذج جديد من الشراكات يضمن المصالح المشتركة ويدعم الاستقلالية الاقتصادية و السياسية للقارة.
و قد نجحت نواكشوط من خلال مشاركتها بالقمة في تقديم نموذج للتموقع المتوازن، يجمع بين الريادة الإقليمية في منطقة الساحل، وجلب الاستثمارات الحيوية، مع الحفاظ على علاقات متزنة مع كافة الأطراف الدولية.
إذ تبرهن موريتانيا من خلال هذا الحضور أن الانفتاح على الشراكات الجديدة لا يعني الانحياز، بل هو أداة استراتيجية لتعزيز الصمود الوطني وتحصين المنطقة ضد الهزات العالمية.
و تتأرجح هذه القمة المحورية بين آمال عريضة وتحديات مركبة تفرض نفسها على طاولة النقاش :
1. الآمال والتطلعات المستقبلية .
تسعى القارة الإفريقية من خلال هذا المحفل الاستراتيجي إلى تحقيق جملة من الأهداف التنموية :
• تنويع الشراكات الدولية : الانفتاح على نموذج عالمي متعدد الأقطاب يكسر الاحتكار التقليدي و يعزز السيادة الإفريقية.
• الأمن الغذائي و الطاقة : تأمين تدفقات الحبوب والأسمدة الروسية، وتطوير مشاريع الطاقة و بحث الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
• نقل التكنولوجيا والبنية التحتية : جذب الاستثمارات الروسية المباشرة لتطوير شبكات النقل، الرقمنة، والذكاء الاصطناعي بناءً على خطة العمل المشتركة (2027–2029).
2. التحديات و العقبات الراهنة .
في المقابل تواجه الشراكة الروسية الإفريقية ملفات شائكة تتطلب حلولاً عملية وعاجلة :
• المعضلة الأمنية : تصاعد بؤر التوتر وانتشار الجماعات المسلحة، خاصة في منطقة الساحل والصحراء، مما يجعل الدعم التقني و العسكري الروسي مطلباً حيوياً للاستقرار.
• الضغوط والقيود الدولية : تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على موسكو على آليات التمويل، و المعاملات البنكية، وحجم التبادل التجاري المشترك.
• الفجوة الاقتصادية : الحاجة إلى تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الثنائية إلى مشاريع استثمارية حقيقية و ملموسة على أرض الواقع تتجاوز عتبة 27 مليار دولار حاليا.
إن قمة موسكو الثالثة تمثل فرصة حقيقية لدول القارة، و في مقدمتها موريتانيا، لبناء حائط صد دبلوماسي واقتصادي أمام الهزات العالمية، وتحويل التحديات الأمنية و الاقتصادية الراهنة إلى فرص للشراكة المستدامة القائمة على الندّية و الاحترام المتبادل .
حفظ الله افريقيا






.jpg)