مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

المرحوم حبيب محفوظ استاذ ملهم و كاتب مبدع و مفكر لامع و إعلامي بارز في زمن الورق /بقلم: اباي ولد اداعة

تمر علينا ذكري الحادي و الثلاثين من اكتوبر لتجدد في نفوسنا لوعة الفراق و الإعتزاز برحيل الاستاذ الكاتب و المفكر  الإعلامي الفذ المرحوم حبيب ولد محفوظ ، 
الذي غادر دنيانا في مثل هذا اليوم من 2001 م تاركا وراءه إرثا فكريا و إنسانيا بحجم وطن ،
و لتعيد أيضا إلي الأذهان سيرة قامة ثقافية وطنية بامتياز فريدة من نوعها ، تركت بصمة لا تمحي في تاريخ موريتانيا الثقافي و التربوي والإعلامي، 
لقد كان الراحل نموذجا للمثقف العضوي الذي جسد أسمي قيم البذل و العطاء من مختلف المواقع التي شغلها في الحقل التربوي و الإعلامي يتذكره تلاميذه بكثير من الإجلال و الوفاء كأستاذ مقتدر للغة الفرنسية،  
إنها بالفعل محطة سنوية لا تمر عابرة، بل تعيدني شخصياً إلى أيام الزمن الجميل في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات بمدينة انواذيبو، حين كان لي الشرف العظيم والحظ الوافر أن أكون أحد طلابه بالشعبة العربية في مرحلة التعليم الثانوي.
عرفته عن قرب في حقبة نقية سبقت انفجار الفضاء السمعي البصري واكتساح العولمة و طغيان المادة و حضور الشعبوية و هيمنة الإعلام البديل علي المشهد الوطني ،  كان أستاذنا حالة إنسانية واجتماعية فريدة؛ مرحاً، واثقاً، ومربياً ملهماً يعيد إلى الأذهان بهاء النظام التربوي الأصيل (Ancien Système) الذي يفتقده جيل الأبناء اليوم. بتفانيه وشغفه، جسد أسمى قيم مهنة التعليم بوصفها رسالة لبناء الإنسان قبل الأوطان،
محفزا علي الطموح والمعرفة في زمن كان للتعليم فيه هيبته وقيمته البنائية ،
 فغرس فينا روح التضحية و الشغف، وبني أجيالاً تقلدت لاحقاً أبرز المسؤوليات الوطنية و تصدر بعضها المشهد الإداري ،
لكن تجربة حبيب محفوظ لم تقف عند حدود أسوار الفصول الدراسية، بل امتدت لتحدث زلزالاً في المشهد الإعلامي الموريتاني. ففي الوقت الذي كانت فيه صحافة الورق والحبر تتربع على عرش الإعلام وتحتكر توجيه الرأي العام، شق الأستاذ طريقه بجرأة وإبداع عبر عموده الأسطوري الخالد موريتانيد (Mauritanide) في صحيفة القلم ذائعة الصيت .
لم يكن عمود موريتانيد مجرد ركن صحفي عابر، بل كان حدثاً وطنياً ينتظره جمهور القراء بشغف ولهفة من أسبوع لآخر. في زمن تكميم الأفواه وتضييق هامش الحريات و قوانين الرقابة الصارمة، تحول هذا العمود إلى متنفس حقيقي للمجتمع، قارع به حبيب محفوظ الاستبداد والأنظمة الفاسدة بسلاح الفكر و النقد الأدبي اللاذع حاملا رؤية وطنية تؤمن بموريتانيا كنموذج للعيش المشترك ،
لقد طوع لغة موليير بعبقرية نادرة، ليمزج رصانتها بعبق أرض وثقافة أهل إكيدي ومجاز أدبيات قاموس أولاد ديمان الخاص، فخرج بأسلوب سردي ساخر، ناصع، ومؤثر، يجمع بين متعة التسلية و عمق النقد السياسي.
من خلال العمود الثابت موريتانيد ، نجح الراحل في فك شفرات القضايا الوطنية العالقة، من حرية التعبير، والديمقراطية، و حقوق الإنسان، إلى الحكامة والاقتصاد
لقد لامس هموم المواطن البسيط وعكس معاناته، وفي الوقت ذاته خاطب النخبة المثقفة بلغة رصينة هدفت إلى زعزعة المسلمات وتغيير العقليات لتدارك الأخطاء وتصحيح المسار.
برحيل أستاذنا حبيب، خسرت موريتانيا قامة وطنية وإنسانية من معدن نادر، وترك في نفوسنا و في الساحة الثقافية والإعلامية فراغاً وجدانياً ومؤسسياً يصعب ملؤه. 
صدق فيه الوصف الشعبي البليغ ( عٓمْرُ مٓا اطْوٓالْ يٓغٓيْرْ أٓعْرٓاظْ) 
فقد كان عمره خاطفاً، لكن عطاءه الفكري ومدرسته الصحفية ظلا بعرض الوطن وامتداد تاريخه .
رحل حبيب محفوظ لكن عطاءه الفكري والمعرفي الواسع ظل حيا في نفوس تلاميذه و قرائه .
شاهدا علي مسيرة رجل كان فعلا قامة ثقافية استثنائية، جمعت بين عمق الفكر و عذوبة اللفظ و مرح الروح النادرة!!

رحمه الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا .
    

اثنين, 02/11/2026 - 11:08