
في زمن صار فيه الحساب عادة، وأصبح لكل درهم مستند، ولكل قرار محضر، ولكل مسؤولية توقيع؛ نتابع لجان الصفقات كما نتابع الأخبار، ونقرأ تقارير محكمة الحسابات كما نقرأ الرسائل، ونطلب من المسؤول بيان ما أنفق، ومن الموظف تفسير ما أنجز. وقد رسخ في أذهاننا أن المال لا يتحرك إلا بيد تركت في السجل أثرا، وأن التوقيع ليس حبرا على ورق، بل عهد قد يستدعى صاحبه يوما إلى المساءلة.
غير أن هذا الحرص الشديد على تدقيق حسابات الدنيا قد يحجب عنا حقيقة أخرى: أن لكل واحد منا ملفا آخر مفتوحا، لا يخضع للجان ولا للمحاسبين، ولا يحتاج إلى ختم ولا وثيقة. ملف لا تغلق صفحاته بقرار، ولا تمدد مواعيده باستئناف، ولا ينفع فيه تبرير متأخر. وهناك محكمة لا تشبه محاكم الأرض؛ لا قاعة لها ولا أبواب، لكنها لا تغفل ولا تنسى. فيها يقف الإنسان مجردا من الألقاب والمناصب والمظاهر، لا يحمل إلا ما قدمت يداه.
وفي تلك المحكمة لا تنفع براعة التبرير، ولا تمنح الوثائق مهلة إضافية، ولا يستطيع أحد أن يستكمل ملفه أو يصحح بيانه. لن يواجه الإنسان هناك الصورة التي حرص أن يراها الناس، بل حقيقة ما عاش. ولن ينفعه قريب يعرفه، ولا نسب ينتسب إليه، ولا حزب والاه، ولا مجلس شهد له بالفضل؛ فليس هناك شفيع من غير عمل، ولا قرابة تغني عن حقيقة، ولا وجاهة تعار أو تستعار. كل من عرفه في الدنيا سيقف لنفسه، ولن يبقى له إلا سجله، وما شهدت به عليه جوارحه.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه». وهي أربعة أسئلة لا تنفصل؛ فالعمر وعاؤها، والجسد آلة السير فيها، والعلم بوصلة الطريق، والمال اختبار للنية والسلوك. ومن وعاها دفعة واحدة أدرك أن الحياة ليست ملفات نجمعها، بل أمانة نحملها ونؤديها.
وقد وقف أهل العلم عند هذا الحديث وقفة المتأمل، فاستخرجوا من كنوزه ما يزيد الملف وضوحا، ويكشف عن دقائق لا تبدو للعين الأولى. فأما ابن القيم فقد رأى فيه أصل محاسبة النفس، وتأمل في لفظي «الإفناء» و«الإبلاء» فوجد فيهما إشارة لطيفة إلى أن العمر والجسد في نقصان دائم مع كل نفس يخرج من الإنسان، فمن لم يتبين هذا النقصان لم يعرف قيمة ما بين يديه، ومضى في حياته كمن يحمل كنزا وهو يحسبه حجرا. وأما الحافظ ابن حجر فقد التفت إلى نكتة في السؤال عن المال، وهو أن العمر والجسد والعلم يسأل عنها العبد سؤالا واحدا، والمال يسأل عنه سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وفي ذلك دلالة على شدة خطره وعظيم شأنه؛ إذ قد ينجو صاحبه من شق فيقع في الآخر، بأن يكون كسبه حلالا ثم ينفقه في سرف أو خيلاء أو محرم، فيكون قد أخذ من الحلال فأودعه في غير موضعه.
وأفرد الخطيب البغدادي في «اقتضاء العلم العمل» بيانا لخطورة السؤال عن العلم، وقرر أن العلم حجة للعبد أو عليه، وأنه شجرة والعمل ثمرتها، فمن حمل الشجرة ولم يجتن الثمرة فقد حمل ثقلا بلا طائل، وأن السؤال ليس عن كثرة المحفوظ ولا عن جودة الرواية، بل عن أثر ما علم في السلوك والعبادة، وعن مقدار ما هدى به صاحبه واهتدى. وأما الغزالي فقد نظر إلى الصلة بين العمر والجسد نظرة نفاذة، فعد الأنفاس جواهر نفيسة لا تعوض إذا ضاعت، وعد الجسد آلة يزرع بها العبد لآخرته؛ فمن أبلى جسده في غير طاعة فقد أضاع الآلة وفقد المحصول، وخرج من الدنيا صفر اليدين ممن كان يظن أنه من الرابحين.
والمفارقة أننا قد نقضي أعمارنا في إعداد ملفاتنا أمام مؤسسات الدنيا، ونحرص على أن تكون حساباتنا مضبوطة وتوقيعاتنا سليمة ووثائقنا مكتملة، بينما نترك ملفات أرواحنا مغلقة، لا نفتحها إلا حين تضيق بنا الحياة، أو يطرق المرض أبوابنا، أو نفقد عزيزا يذكرنا بأن الرحلة أقصر مما نظن. ونحن نتنافس على المناصب والصفقات والأرباح، ونبذل من الذكاء والوقت ما يكفي لانتزاع أفضل المواقع، لكننا نحتاج أن نتذكر أن هناك ميدانا آخر للتنافس، لا تقاس فيه القيمة بما نملكه، بل بما نقدمه، ولا بما نعلو به على الناس، بل بما نرفعه عنهم من ظلم وحاجة. وقد صدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾.
ولعل الحكمة كل الحكمة أن نحاسب أنفسنا ونحن نملك فرصة التصحيح، وأن نرد الحقوق قبل أن نسأل عنها، وأن نصلح ما أفسدناه قبل أن يصبح الإصلاح أمنية. فالمناصب زائلة، والأموال راحلة، والأجساد واهنة، والأعمار مهما طالت قصيرة. وملفات الدنيا قد تغلق بقرار، أما ملفات الآخرة فلا يغلقها إلا ما قدمناه من عمل، وما شملنا به الله من رحمة.
والله اعلم بالصواب واليه المصير



.jpg)