
لا توجد بقعة على وجه الأرض معصومة من الأعطاب الفنية المفاجئة التي تؤدي إلى انقطاع الكهرباء و تعطيل الخدمة وشلل الأنشطة اليومية، بما في ذلك كبريات عواصم المال والقرار مثل نيويورك. إلا أنه في مدن مثل نيويورك، يعتبر الانقطاع الشامل حدثاً استثنائياً نادراً تصنعه الطوارئ الحرجة ويتحول إلى خبر عالمي، بينما في العديد من مناطق إفريقيا يعتبر جزءا من تفاصيل الحياة اليومية ونمطا متعايشا معه.
إن المقارنة هنا لا تأتي من باب جلد الذات بل من حسرة حقيقية علي الفرص الضائعة،
فرؤية نيورك في ظلام دامس قد يعطي شعورا مؤقتا و مخادعا بأن الجميع يعاني و أن أحوال اهل الدنيا متقاربة ،
لكن الحقيقة هي أن نيورك ستعود تضيئ بعد ساعات ، في حين يستمر ملايين الأفارقة في كفاحهم اليومي تحت ضوء الشموع ،
وهو ما يعني ان ظلام نيورك استراحة مؤقتة لآلة عملاقة، بينما الظلام المستمر في مناطق اخري هو قيد يمنع و يعيق آلة التنمية الاقتصادية و الاجتماعية من الدوران أصلا ، بحيث تُصنف الأولي بأنها ازمة إدارة طوارئ و توصف الثانية بأنها ازمة تنمية مستدامة ،
و هذا هو الفارق الحقيقي الذي يستحق العمل علي تغييره و ليس البكاء عليه فقط ،
بالتأكيد الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب البدء في العمل الحقيقي، من خلال استغلال إمكانات القارة في الطاقة المتجددة، و تطوير الشبكات المحلية، وإصلاح حوكمة القطاع لكي تصبح الكهرباء حقا أساسيا للحياة لا ترفاً ينتظر الإصلاح.
هذا التوصيف البنيوي للأزمة يجد اليوم صدى حقيقياً وتطبيقاً عملياً في واقع العاصمة انواكشوط التي عانت طويلاً من الإنقطاعات المتكررة و تذبذب الخدمة وانعكاساتها على الحياة اليومية و الاقتصاد.
وتجسيداً للمرور من مرحلة الحسرة إلى مرحلة العمل والحلول الجذريّة يأتي إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط في شقه الطاقوي، ليشكل نقطة تحول استراتيجية تحاكي هذا الطموح التنموي.
ففي خطوة استراتيجية تلامس تطلعات المواطن وتضع حلولاً جذرية و مستدامة لخدمات الطاقة،
أشرف فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، رفقة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي، على إطلاق وتدشين مكونات المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط، وتحديداً الشق المتعلق بتأمين وتطوير البنية التحتية الطاقوية الذي يقع في صدارة هذا المخطط التنموي الطموح.
وقد شكلت محطة التحويل الرئيسية الشمالية التابعة لمجموعة صوملك ميدانا لهذا التحرك الرئاسي المباشر، حيث أُستقبل فخامته من طرف معالي وزير الطاقة و النفط السيد محمد ولد عبد الفتاح ،
محاطاً بكبار أطر و مسؤولي قطاع الطاقة، والإدارة العامة للشركة الموريتانية للكهرباء بقيادة المدير العام السيد اتيام التيجاني ومساعده السيد أحمد سيلا رمضان، وسط حضور واسع من أطر و مهندسي و فنيي شركة صوملك ،
وتأتي هذه الرعاية المباشرة لإعادة تأهيل و تأمين محطات التحويل الفرعية الكهربائية استجابة ميدانية فورية وتجسيداً لالتزامات وتعليمات فخامة رئيس الجمهورية إبان احتراق المحطتين السابقتين، حيث أمر حينها الجهات العليا بالعمل على تحسين وضعية الشبكة وتأمينها. ويتكامل هذا المشروع الاستعجالي، المندرج ضمن برنامج طموحي للوطن ، مع مسار الإصلاحات الهيكلية الشاملة لشركة صوملك ، مترجماً التوصيات الحاسمة الصادرة عن لجان التحقيق المستقلة لمعالجة الاختلالات الفنية والإدارية السابقة إلى واقع ملموس.
وقد استمع فخامة رئيس الجمهورية إلى شروح فنية مفصلة و وافية قدمها معالي وزير الطاقة والنفط حول مكونات وأشغال هذا البرنامج الضخم، والتي تنقسم إلى مسارين متكاملين:
• المكونة الأولى: تركز على تقوية الشبكة الكهربائية بكامل أجزائها وفصولها (33 كيلوفولت و15 كيلوفولت)، بالإضافة إلى زيادة بيوت المحولات.
حيث تتجسد هذه العصرنة الطاقوية في مستهدفات حيوية، أبرزها إنشاء 41 محطة تحويل كهربائي جديدة لتخفيف الضغط وضمان استقرار التيار، بالإضافة إلى ترقية محطات التوزيع القائمة، وهو ما يتكامل مع إنجازات المرحلة الأولى التي شملت مد 370 كم من الكابلات كما يمتد هذا التطوير ليشمل البُعدين الأمني والجمالي للعاصمة من خلال مد 187 كيلومتراً من شبكات الإنارة العمومية الجديدة، تعزيزاً للـمسافة 180 كيلومترا المنجزة سابقاً ،
• المكونة الثانية : تهدف إلى إعادة تأهيل وتأمين الشبكة و محطات التحويل، بناء و تركيب محطات بديلة لتلك التي احترقت سابقاً، مع استجلاب و واقتناء محطات تحويل متنقلة جديدة لتعزيز المخزون الاستراتيجي و إنهاء معاناة الانقطاعات المتكررة وفق المعايير الفنية المطلوبة و الالتزام بالآجال المحددة ،
و تُثبت هذه التدابير المعتمدة و الإرادة الحاصلة أن حكومة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي تسير في اتجاه تحويل أزمة الطاقة من عجز هيكلي مزمن في منظومة التوزيع إلى تحدٍّ تقني يمكن إدارته والسيطرة عليه.
إن توفير خدمة كهربائية مستمرة ومستدامة هو عصب التنمية المعاصرة و الركيزة الأساسية لفك قيود التنمية عن العاصمة نواكشوط. ومن خلال هذه الورشات الطاقوية الكبرى من المفروض أن يبدأ واقع المدينة في التغير، لتتحول الكهرباء من رفاهية تحكمها الأعطاب إلى حق أساسي يضمن للمواطن البسيط العيش الكريم و النفاذ المستدام للخدمات الأساسية دون انقطاع.
تأسيسا لما سبق يجب ألا يمثل إطلاق هذه المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لتنمية مدينة نواكشوط ، مجرد تدشين لورشة فنية أخرى أو حلقة في سلسلة الوعود الطويلة، بل ينبغي ان تشكل منعطفا تنفيذيا حاسما يضع حداً حقيقياً لسنوات من معاناة انقطاعات التيار الكهربائي و الاضطرابات التي أرهقت كاهل المواطن وأربكت تفاصيل حياته اليومية و نشاطه الاقتصادي.
إن النزول الميداني المباشر لأعلى سلطة في الـدولة، والمرفوق بآليات رقابة صارمة وغلاف مالي غير مسبوق، هو الضمانة الفعلية للمواطن الموريتاني بأن العهد القادم هو عهد الالتزام الصارم بالآجال والمعايير الفنية. إن العصرنة الجارية للشبكة تفرض واقعاً جديداً ينهي حقبة الحلول الترقيعية لتستعيد العاصمة استقرارها الطاقوي، و يلمس المواطن في بيته ومحله الخدمة المستمرة التي هي أبسط حقوقه في العيش الكريم .
كامل التوفيق و التمكين






.jpg)