مساحة إعلانية

     

    

    

  

الفيس بوك

الدساتير العابرة للأجيال حصن الإستقرار و صمام أمان التناوب/ بقلم: اباي ولد اداعة

في كل مرة تقترب فيها البلاد من استحقاق سياسي مفصلي، تطفو على السطح أصوات تسعى لخلخلة المرتكزات القانونية للدولة تحت مسميات شتى، لعل آخرها ما جادت به قريحة بعض المسؤولين الشباب من محاولة الالتفاف على المادة 99 من الدستور الموريتاني وتفكيك المواد المحصنة بحجة حق الأجيال الجديدة في تقرير مصيرها ,
إن هذا الطرح لا يمثل مجرد رأي سياسي عابر، بل هو قفزة خطيرة في فراغ فكري وفوضوي، وتناقض بنيوي فادح يستخدم دغدغة العواطف الشبابية لتكريس حكم الفرد وحماية الامتيازات و المكتسبات الشخصية الناتجة عن التعيينات و الوظائف الحكومية ، ليكون هؤلاء المطالبون بفتح المأموريات الرئاسية كالعادة  ملكيين أكثر من الملك و أشد حرصا علي التمديد من الرئيس نفسه، 
من الناحية الفلسفية والقانونية الدستور ليس مدونة قانونية عادية تخضع للمزاج الديموغرافي أو تبدل الفئات العمرية، بل هو عقد اجتماعي عابر للأجيال وُجد لتأصيل امتداد الدولة التاريخي وحماية نظامها الجمهوري. إن فكرة ربط شرعية النص الدستوري بعمر الرشد للسكان هي بدعة قانونية تؤسس لفوضى تشريعية عارمة، فلو تحولت الدساتير إلى أوراق تتقاذفها التحولات السكانية المتعاقبة، لشهدت الدولة طفرة من الدساتير المتلاحقة مع ولادة كل جيل، مما ينسف مفهوم الاستقرار المؤسساتي الذي يقوم عليه كيان الدولة ،
وتكمن القيمة القانونية العليا للدستور الموريتاني في المواد المحصنة التي وضعها المشرّع عن وعي تام كحظر مطلق وجامد لا يقبل المراجعة أو التأويل، وتحديداً تلك المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية و مدتها. هذا التحصين ليس قيداً رجعياً كما يروج دعاة التعديل، بل هو الضمانة السيادية الأولى والوحيدة لمنع احتكار السلطة وحماية الديمقراطية الناشئة من الانزلاقات .
إن تجارب الأمم العريقة تثبت أن سر نهوضها واستقرارها 
يكمن في ثبات النص الدستوري كمرجعية ناظمة فوق الجميع، لا كلعبة سياسية تُعدّل مقاساتها عند نهاية كل مأمورية .
وتبرز هنا نماذج لدول مازالت تعمل بدساتير قديمة شكلت رافعة حقيقية لتقدمها وازدهار عبادها :
* الولايات المتحدة الأمريكية : يُعد الدستور الأمريكي المصاغ عام 1787 أقدم دستور مكتوب لا يزال سارياً في العالم. وعلى مدار ما يقارب قرنين ونصف، شكل هذا النص القصير حصناً ثابتاً ضمن التداول السلمي والسلس للسلطة، وحمى التعددية، وتحول إلى ركيزة أساسية صعدت بأمريكا لتصبح القوة الاقتصادية و التكنولوجية الأولى عالمياً.
* المملكة المتحدة : رائدة الديمقراطيات البرلمانية التي لا تمتلك دستوراً مكتوباً واحداً، بل تعتمد على وثائق تاريخية وأعراف تعود لقرون مثل الميثاق الأعظم الماغنا كارتا لعام 1215. هذا الثبات التاريخي القائم على احترام التقاليد القانونية ضمن لبريطانيا استقرارا سياسيا مذهلا وقدرة على النهوض الاقتصادي و الاجتماعي المستدام .
* جمهورية سان مارينو : تمتلك هذه الدولة الأوروبية الصغيرة أقدم وثيقة دستورية نشطة تعود لعام 1600 (الأنظمة النظامية). ورغم صغر حجمها، إلا أن التمسك بهذا الإرث الدستوري جعلها واحدة من أكثر دول العالم استقرارا و أعلاها من حيث مستوى دخل الفرد و أمان المواطن.
بالإسقاط على السياق الموريتاني، يكتسي هذا الطرح أبعاداً مصيرية. فالتحصين الدستوري  و تحديداً ما يتعلق بالمواد المحمية مثل المادة 99 المتعلقة بعدد المأموريات الرئاسية ومدتها , يمثل صمام الأمان الفعلي لحماية المكتسبات الديمقراطية الناشئة و منع الانزلاقات السياسية أو احتكار السلطة.
أما التباكي على حق الشباب و التمكين للأجيال الناشئة، فإنه لا يمر أبداً عبر هدم الأسس الدستورية الثابتة أو التلاعب بصمام أمان التناوب السلمي، بل يمر حتماً عبر تفعيل آليات الديمقراطية الحقيقية اليومية، من خلال الولوج الفعلي لمراكز صنع القرار و صياغة السياسات التنموية و تعزيز المشاركة الحزبية الفعالة. 
إن محاولة استخدام الأغلبية الشبابية كمبرر لخرق الحصن الدستوري هي ممارسة انتهازية مكشوفة، فقوة الدستور وعظمته تكمن في قدرته على استيعاب طاقة الشباب وتوجيهها لبناء المستقبل دون التفريط في ركائز الاستقرار القانوني التي تحمي الجميع من جنون المأمورية الثالثة و خطورة التلاعب بالدستور .

    حفظ الله موريتانيا 
 

أحد, 08/11/2026 - 21:00