مساحة إعلانية

    

    

  

الفيس بوك

من تاريخ المقاومة الوطنية للاستعمار: الدليل الشهيد

سيد ولد محمد الأمين

 

" لستَ مهزوما ما دمت تقاوم " أرنستو تشي غيفارا

لا يزال تاريخ المقاومة في موريتانيا في مواجهة الاستعمار الفرنسي ـ على الرغم مما كتب عنه ـ موضوعا مثيرا للاهتمام، ومجالا خصبا، ليس فقط لإثبات الوقائع والأحداث، والوقوف على الحقائق من منظور مختلف عن الدراسات الكولونيالية. 
واليوم وفي ذكرى الاستقلال الـثالثة والستين أردت أن أقدم إضاءة حول مقاوم شبه مجهول، لم يحظ بالاهتمام المطلوب، ولا البحث الدقيق، إنصافا له، وإنارة للأجيال اللاحقة لهذا البلد.
صحيح أن التاريخ يركز على القادة ويتجاهل الجنود، يذكر الملوك ويتجاهل الرعية، يقدر السادة ولا يعنى بالأتباع.. ولكن نموذج المقاومة الذي سأتحدث عنه ليس من الصنف الأول، بل هو من المنسيين، وقد آن الأوان لإنصافه، ونفض الغبار عن حقيقة ما فعل، وعن ملابساته، وحتى عن اسمه الكامل وأوصافه، فالشذرات التي اصطدت لم تسمح لي إلا بالقليل مما يمكن أن يقال عنه، ولعل هذا "الفلاش" ينير للباحثين طريق التقصي والبحث حول هذه الشخصية المقاومة.
ومن دون مقدمات مسهبة أخلص للحديث عن مقاوم استشهد في الميدان ولكنه لم يكن يوجه سلاحا للمحتل الفرنسي، ولكنه أعدم في الميدان من طرف قائد كتيبة فرنسية شهير هو الرائد لويس فريرجان (1869 م – 1917 م) أحد الضباط الفرنسيين الذين خاضوا أول العمليات العسكرية لاحتلال هذا البلد والتمكين لفرنسا فيها. 
فما خطورة الفعل الذي أتى به هذا الموريتاني المقاوم ليدفع هذا الضابط الفرنسي إلى إعدامه مباشرة ودون محاكمة أو تحقيق؟ 
يورد فريرجان القصة في مذكراته المعروفة المترجمة بعنوان (الرائد فريرجان موريتانيا 1903 – 1911 قصص مغامرات وجولات وحروب في بلاد البيضان)، بتعليق من جنفييف دزيريه فيمن، وقد ترجم هذه المذكرات محمد ولد حمينا والذي حركتني دعوته لاستجلاء حقيقة هذا المقاوم الشهيد في الهامش رقم 111 في ترجمته الرائعة لتلك المذكرات.
ويعد فريرجان من أكثر ضباط فرنسا فعالية وقدرة تخطيطية، وأشدهم مكرا ودهاء، أسند إليه المفوض السامي كزافييه كبولاني مهمة إنشاء مركز نواكشوط كنقطة ربط عسكري وحصنا للباحثين الاقتصاديين المهتمين أساسا بالثروة السمكية والمعدنية.
وهو أيضا الذي اغتال الشهيد بكار ولد اسويد أحمد في معركة بوكادوم التي قادها، وهو من تولى التحقيق في مقتل كبولاني وتولى عمليات التعذيب التي نتجت عن تلك التحقيقات.
يذكر فريرجان ابتداء من الصفحة 88 من مذكراته القصة كاملة بروايته ومن منظوره، كما أورد حبيب الله ولد أحمدو بمب في كتابه الدر الثمين في شرف وتاريخ الحسنيين (الجزء الأول) في الصفحة 71 وما تلاها معلومات عن اسم وحي هذا المقاوم وذريته.

خلفية:
في سنة 1904 تلقى الفرنسيون ضربات موجعة من المقاومين، وبدأت مجموعات كثير ة منهم تنشط بفعل قسوة الفرنسيين في التعامل مع المقاومين ونشاط أحمد سالم ولد اعل الملقب "بيّاده" المناوئ للمستعمر بعد إزاحته من الإمارة، وكانت الترارزة أولى النقاط التي تسلل منها المستعمر إلى البلاد منذ ديسمبر 1902،  بعد عقد كبولاني معاهدات مع بعض الزعماء الدينيين والسياسيين، وقد قسم كبولاني الترارزة إلى قسمين: غربي تحت قيادة النقيب فريرجان (وقتها) وتأسس في القسم الغربي عدة مراكز: سهوة الماء (الملازم روبير) واخروفه (الملازم ليكولي) ثم مركز نواكشوط الذي اكتمل بناؤه في ديسمبر 1903 تحت قيادة النقيب فريرجان، وقسم شرقي بقيادة النقيب شوفو.
كان هدف هذا التقسيم العسكري وهذه المراكز العسكرية بسط السيطرة الاستعمارية على الترارزة، والحجة التي أقنع بها كبولاني زعماء ومشايخ البلاد بدأت تتهاوى أمام إغارات المقاومين على مواشي الأحياء الموالية للفرنسيين، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير إغارة بيّادة على مخيم قرب النمجاط في مارس سنة 1904، بالإضافة إلى وقوع عدد من الكمائن لقوات استعمارية في التاكلالت والطريق بين نواكشوط واخروفه في الأيام الموالية، كما وصلت فريرجان رسالة من الملازم رافين بضرورة تفكيك مركز اخروفه بعد أن نفدت المؤن وتفككت الأحياء المحيطة به (مصدر التموين) خوفا من هجمات المقاومين، فقرر فريرجان ملاحقة بيّاده وأنصاره ليؤكد حمايته للموالين لفرنسا، ولتأكيد سيطرة فرنسا على المنطقة.
أنجد فريرجان المصحوب بقوة تتكون من 30 من الرماة السنغاليين و13 من الفرسان بقيادة الرقيب تفنسو وبعض المؤن والذخيرة يوم 17 مارس، وواصل سيره في اليوم الموالي ليصل إلى ابير التورس ثم المعزل في اليوم الذي يليه، ليصل إلى المركز يوم 20 مارس، وهناك علم بغارة أخوي الأمير أحمد سالم أحمد لمبكل وسيد سهوت الماء عاصمة الترارزة الشرقية بمائتي رجل ونهبوا الأحياء المجاورة للمركز (ومن المهم هنا أن ننوه إلى أن هذا النهب كان لأغراض استراتيجية عسكرية بهدف تقليل التموين لمثل تلك المراكز العسكرية سعيا إلى تقويضها وليس لأغراض عدائية للمجتمع المحلي).
وبعد تلك الغارة التي خسر فيها الفرنسيون قتيلين وستة جرحى ومدفعين ثقيلين بزعم فريرجان، قرر مهاجمة الأمير أحمد سالم ولد اعل وشكل رتلا عسكريا يوم 21 مارس مكونا من 95 فردا: ملازم وعريفين أوروبيين وثمانية وأربعين من الرماة من بينهم 18 جمالا ورقيب مدفعية إضافة إلى خدم وعمال.

المسير:
انطلق فريرجان وفرقته يوم 22 مارس متجهين إلى اجريريد حيث وصلته أخبار باستيلاء إخوة أحمد سالم عليه، وكان شغله الشاغل هو الحصول على أدلاء، حتى اهتدى إلى أنه يمكنه الحصول عليهم في الطريق.
وقرب النمجاط حصل على أخبار أن أحمد سالم ولد اعلي وإخوته ومن معهم من المقاومين بين بير نودكي وبئر ندومري (100 كلم شرقي نواكشوط) شمال منطقة العقل، عندها سار برتله عند الظهيرة عبر منطقة إكيدي، ليصل عند الغروب إلى حي من إدابلحسن ليبيت من ليلته وينطلق فجرا ليمر في الحادية عشرة بحي آخر من إدابلحسن حيث أخبره دليله القناني الذي رافقه من النمجاط أنه لم يعد يعرف الطريق.
قرر فريرجان أن يستعين بدليل آخر من هذا الحي الذي بدا له متحفظا أكثر من الحي السابق، فوجد اثنين من عتقاء الحي (يقصد العبيد المحررين: لحراطين) وعندما عرفا بحاجة رتله إلى دليل عرضا خدماتهما عليه مدعيان أن ندومري قريب ويمكنهما إرشاده إليه في مقابل مادي يخصصه لهما.
كان فريرجان يعتقد أن لدى الأرقاء السابقين نقمة على أسيادهم لسوء معاملتهم إياهم كما صرح في مذكراته، ولذلك قبل بالعرض.
بدأ فريرجان يرتب للغارة المنتظرة على ندومري وقرر السير ليلا حتى يستفيد من عنصر المفاجأة مدركا أن الوقت ليس في صالحه وأن للموريتانيين طرقا سرية في توصيل المعلومات أسرع من التلغراف. 
بدأ يبحث عن الدليلين فلما لم يجدهما أرسل للبحث عنهما فتم العثور عليهما مختبئين في خيمة سيدهما، وهو ما فهم منه مناوئة هذا الحي من إدابلحسن للفرنسيين باحتجازهما الدليلين.. هذا ما كان يعتقده فريرجان.
وقد أشار حبيب الله ولد أحمدو بمب في كتابه المذكور إلى أن هذا الحي من أولاد اعمر أكداش أحد بطون إدابلحسن.
سار فريرجان برتله ليلا وقسمه إلى قسمين: فرقة المعارك بقيادته شخصيا في المقدمة وأحد الأدلاء سيتبين لاحقا أنه بطلنا الشهيد، والقسم الآخر مؤلف من القافلة والقوم (كوميات) والرماة السنغاليين ومعهم الدليل الآخر، وقد عهد بقيادتها إلى الرقيب رافييه.
أكد الدليل لفريرجان أن ندومري قريب لذلك ازدادت آماله بأن يفجأ مخيم الأمير أحمد سالم مع طلوع الفجر.

التضليل:
استمر مسير الرتل منذ ليل الرابع والعشرين مارس أكثر من خمس ساعات حتى اشتد الحر ونفد ماء القرب وبدأ الرماة يشعرون بالعطش، وصارت الشكوك تساور فريرجان مع شعور بالغيظ والحنق الشديد.
وفي حدود التاسعة والنصف صباحا التقى فرسان الرتل بفارسين عادا أدراجهما بسرعة، وهذا ما عنى أنهم اقتربوا كثيرا من معسكر الأمير. فاستجوب فريرجان الدليل فكانت إجابته: "يجب أن تسرع أحمد سالم لا شك أنه علم وهناك مسافة طويلة بينك وبينه" كانت إجابة بنبرة استهزاء جعلت بعضا ممن يفهم الحسانية من الرماة يشعر بالإحباط وتضعف روحه المعنوية.
توجه فريرجان إلى الدليل منذرا إياه بأن حياته في خطر إذا كان قد خانه، واستأنف مسيره بعد أن تأكد من اتجاه ندومري الصحيح بواسطة بوصلته، وتبين له أن الدليل قد دار بهم أكثر من مرة، وهو ما يعني أنه كان يضللهم أو يتباطأ بهم، ولأن فريرجان كان مقتنعا أن البيظان قد يخطئون في تقدير المسافة لكنهم لا يخطئون الاتجاه إلا نادرا زادت شكوكه كثيرا.
وبدأ يفكر أنه سيئ النية وأن أسياده أثروا فيه ووجهوه، فكيف لا يصلون إلى ندومري ولم يصلوا بعد لأي نقطة مياه.. فهذا غير طبيعي خصوصا أن رجاله بدا عليهم العطش والتعب، ولم تعد القافلة التي تتوفر على المياه في القسم الثاني من الرتل مرافقة لهم، إذ اكتشف فريرجان لاحقا أن دليلهم كان يتعمد الغباوة وعدم قدرته على مسايرة خطاهم حتى انفصلت عنهم.
وبينما فريرجان في وساوسه تلك جاء فرسانه بشيخ مسن من الزوايا فسأله عن مسافة ندومري فأخبره أنه إذا واصل السير سيصله في حدود الثانية ظهرا، وهذه الإجابة جعلت الدليل ينفجر ضاحكا في استفزاز واضح لمشاعر الفرنسيين القلقة خصوصا بسبب العطش وتضييع فرصة مباغتة الأمير بياده.
وقد استطاع فريرجان أن يحدد اتجاه أقرب بئر بسؤال الشيخ الزاوي المسن ولاحظ أنه الاتجاه الذي قدموا منه (الجنوب الغربي)، وفكر أن هذا الدليل لا يمكن أن يجهل وجود هذا البئر، وعندها ثارت ثائرة الرماة وهموا بضربه فحماه فريرجان منه.
هنا لا بد أن نتوقف قليلا، ونتحرر من أحداث القصة، ونستنطق الوقائع: ما الذي كان يحاول هذا الدليل القيام به؟
أهو تضليل جيش فريرجان؟ أم تأخيره عن مباغتة جيش الأمير المقاوم بيادة؟ أم تعطيش هذا الجيش والنيل منه بأن يزْورَّ بهم عن نقاط المياه؟
أيا كان ما يريد بالضبط، فيبدو أنه لسوء الحظ كان يلعب لعبة الطبوغرافيا مع ضابط فرنسي من جيل ما بعد الهزيمة في معركة سيدان 1870 م التي خسرتها الإمبراطورية الفرنسية أمام بروسيا بسبب تفصيل طبوغرافي، ونتج عن ذلك استسلام نابليون الثالث ومليون جندي معه لمائتي ألف جندي بروسي...!
ومنذ ذلك الوقت، والتقاليد الأكاديمية العسكرية تشد بالنواجذ على تكوين صارم للضباط المتخرجين من الكليات العسكرية في الطبوغرافيا.
أعاد فريرجان التفكير في قضية هذا الدليل الخائن لفرنسا، المقاوم من منظورنا نحن، وتوصل في النهاية إلى قرار بإعدامه رميا بالرصاص أمام ناظري الجميع، ونفذ فريرجان الحكم بيده.
وقد برر فريرجان قيامه بهذا الفعل الشنيع حتى يكون كل من يتلاعب بحياة الجنود الفرنسيين عبرة لمن يعتبر، وأنه إذا لم يقم بذلك الفعل فلن يستطيع أن يعول على دليل أبدا.
وبعد اغتياله أصدر فريرجان أمرا بدفنه، فتم دفنه، وللأسف فإننا لا نعلم تحديدا مكان الدفن ذاك.
هوية الشهيد:
لفت انتباهي في مذكرات فريرجان هذه الحادثة: استشهاد هذا الدليل المقاوم المجاهد الذي تم إعدامه على يد فريرجان بنفسه.
لم يسمه هذا الغازي المستعمر، وإنما استعرض قصته وبنوع من الفخر وإظهار الصرامة ذكر إعدامه له بيده، وظل لأزيد من قرن نكرة لا ذكر له إلا في الصفحات التي سطرها عنه فريرجان، ولكن بالنظر للعمل البطولي الذي قام به حيث ضلل رتلا عسكريا فرنسيا حتى كاد يودي به إلى الهلاك، وأخره عن غارة محتملة موجهة للأمير المجاهد بياده، وهذا التأخير تسبب في علم معسكر الأمير بالتحرك العسكري المبيت ضده من طرف الفرنسيين مما سمح لهم بالتحرك بعيدا عن دائرة خطر مواجهة مباغتة.
أقول بالنظر لهذا العمل البطولي فإننا مدينون لهذا الشهيد بأن نرفع ذكره، ونبحث في أمره وقصته ونوفيه حقه في الذكر والتقدير كما يليق به كبطل من أبطال مقاومة شعبنا ضد الاستعمار.
ولا أدعي أنني حصلت على المعلومات الكافية حتى الآن، ولكن هذه سطور امتنان لهذا البطل في ذكرى استقلالنا الثالث والستين، ودعوة للباحثين والمهتمين لتعميق البحث وإنارة كل جوانب عمله البطولي وسيرته.
كل ما وجدت هو اسمه فقد ذكر حبيب الله ولد أحمدو بمب في كتابه سالف الذكر أن اسمه اسويلك وأنه من الآشيين (أولاد أعمر كداش) أحد بطون إدابلحسن المعروفين، وأن له ولدين هما اسليمان وإبراهيم وله أحفاد منهم أم الخير وسالم (أحياء حتى سنة 2012)، وقد حكى لي أحد الزملاء أنه سمع أن أسرة هذا المجاهد تسمى أهل عبد الله الأحمر.
أما مكان دفنه، فيمكن محاولة تحديده بناء على مذكرات فريرجان (الشمال الشرقي من بير بِرْكَيْزات، البئر القديم الذي يقع على بعد ثلاثة كيلومترات من قرية أجار الحالية)، ويمكن أن يقام هناك نصب تذكاري أو ضريح رمزي تكريما لذكرى هذا المقاوم البطل. 
كما أنني لم أستطع التعرف على هوية الدليل الثاني ولا أي شيء عن مصيره.
ولم يتسن لي أن أتعمق أكثر، ولذلك أتمنى على المهتمين والباحثين أن يقوموا بهذه المهمة.

رحم الله شهداءنا.

سيد ولد محمد الأمين 
29 نوفمبر 2023

اثنين, 04/12/2023 - 00:17